الـقــبـــر الـتــائـــه

الأديب: علي الطنطاوي
كتاب: صور وخواطر صص27

كم ذا يقاسي العاشقون ويألمون
ولا يدري بهم أحد..
ولا يبلغ وهم إنسان تصور ما يعانون

كم للحب من شهداء عاشوا يائسين
وقضوا صامتين..
فما حازوا مجداً ولا فخارا
ولا اشتروا جنة ولا أمنوا نارا..

مساكين..
يعيشون في دنيا الناس وليسوا فيها
يرون بغير العيون
فلا يرى الناس ما يرون
ولا يبصرون ما يرى الناس
يموت عندهم كل حي ما لم يتصل بالحبيب
ويحيا كل ذي صلة به حتى الجماد

إن فكروا ففي المحبوب
أو تكلموا فعنه
أو اشتاقوا فإليه
أو تألموا فعليه

 
 
 

الأفكار والمواقف تتلاقح وتتمازج

بجولة تاريخية بسيطة يمكننا التأكد أن كل سجون عبدالناصر والقذافي والأسد لم تمنع الإخوان والسلفيين من الاستمرار في مشاريعهم، كما ان كل إسلامية السعودية وافغانستان لم تمنع كل الحالمين بدولة ديمقراطية، وكل ما عمله ستالين ولينين لفرض الماركسية لم تمنع ظهور أفكار ليبرالية في دولهم، كما أن كل ذلك الزخم الرأسمالي لم يمنع العمال في تلك الدول من تنظيم أنفسهم في نقابات قوية تدافع عنهم..

المحصلة أن الأفكار والمواقف تتلاقح وتتمازج، وأن الدفاع عن فكرة ما وجعلها صنماً لا يمكن تجاوزه ما هو الا انتحار على كافة المستويات.

منقول

وحديث عن الحب ♥️

إن الذي خلقنا وبثَّ أرواحنا في أجسامنا هو الذي خلق لنا هذه القلوب وخلق لنا فيها الحب، فهو يأمرنا أن نحب، وأن نعيش في هذا العالم سعداء هانئين، فما شأنكم والدخول بين المرء وربه، والمرء وقلبه؟

إن الله بعيد في علياء سمائه عن أن تتناوله أنظارنا وتتصل به حواسنا، ولا سبيل لنا أن نراه إلا في جمال مصنوعاته وبدائع آياته، فلا بد لنا من أن نراها ونحبها لنستطيع أن نراه ونحبه.

إن كنتم تريدون أن نعيش على وجه الأرض بلا حبٍّ، فانتزعوا من بين جنوبنا هذه القلوب الخفافة ثم اطلبوا منا بعد ذلك ما تشاءون؛ فإننا لا نستطيع أن نعيش بلا حبٍّ ما دامت لنا أفئدة خافقة.

أتظنون أننا ما خُلقنا في هذه الدنيا إلا لننتقل فيها من ظلمة الرحم إلى ظلمة الدير، ومن ظلمة الدير إلى ظلمة القبر؟

بئست الحياة حياتنا إذن، وبئس الخلق خلقنا، إننا لا نملك في هذه الدنيا سعادةً نحيا بها غير سعادة الحب، ولا نعرف لنا ملجأ نلجأ إليه من هموم العيش وأرزائه سواها، ففتشوا لنا عن سعادة غيرها قبل أن تطلبوا منا أن نتنازل لكم عنها.

هذه الطيور التي تغرد في أفنائها إنما تغرد بنغمات الحب، وهذا النسيم الذي يتردد في أجوائه إنما يحمل في أعطافه رسائل الحب، وهذه الكواكب في سمائها، والشموس في أفلاكها، والأزهار في رياضها، والأعشاب في مروجها، والسوائم في مراتعها، والسوارب في أحجارها؛ إنما تعيش جميعاً بنعمة الحب، فمتى كان الحيوان الأعجم والجماد الصامت أرفع شأناً من الإنسان الناطق وأحق منه بنعمة الحب والحياة؟!

 العبرات للمنفلوطي

خداع العناوين

لقد جهل الذين قالوا (إن الكتاب يُعرف بعنوانه)، فإني لم أرى بين كتب التاريخ أكذب من (بدائع الزهور)، ولا أعذب من عنوانه، ولا بين كتب الأدب أسخف من كتاب (جواهر الأدب) ولا أرق من اسمه، كما لم أرى بين الشعراء أعذب اسماً وأحط شعراً من ابن مليك وابن النبيه والشاب الظريف.
 
لقد كثر الاختلاف بين العناوين وبين الكتب حتى كدنا نقول: (إن العناوين أدل على نقائضها منها على مفهومها، وألصق بأضدادها منها بمنطوقاتها، وإن العنوان الكبير حيث الكتاب الصغير، والكتاب الجليل حيث العنوان الضئيل)
 
#النظرات ص247 لـ #مصطفى_المنفلوطي

هل ينبت الربيع العربي طواغيت؟

بقلم: أشرف عبدالمنعم

قبل ثورات الربيع العربي كانت الحركات الإسلامية هي المعارضة الحقيقية للحكام العلمانيين، حيث رأت – بحق- أنهم طواغيت من البشر نازعوا رب العالمين حقه في الانفراد بالتشريع لعباده، مع أنه – سبحانه – المنفرد بخلق هؤلاء العباد }ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين{  [1].

كما أنها لم تجد في أكثرهم إلا امتدادا للاحتلال الخارجي بلون داخلي، فمنذ أسقطت الخلافة الإسلامية انتقلت مركزية العالم الإسلامي من داخله لتكون دائما في عواصم الاحتلال التقليدية أو العواصم الجديدة الوارثة لها، فلا هوية إسلامية ولا شريعة، ولا استقلال سياسي ولا اقتصادي، إلى آخر منظومة التبعية المهينة.

واستكمل طواغيت العرب أسباب الهلاك، وغرهم إملاء الله لهم، وغرهم ركونهم للذين ظلموا، فمضت سنة الله فيهم وأتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، وباعهم أولياؤهم الذين رضوا بهم من دون الله أحوج ما كانوا إليهم، في نموذج متكرر في التاريخ المعاصر، لولا أنهم لا يعتبرون.

حين قامت الثورات تفاوتت اجتهادات الإسلاميين حول المشاركة فيها، لكن من جهة: قد شارك فيها قطاع واسع كان قد نابذ أوضاع الاستبداد العداء، ورأى أن الانحياز إلى الأمة في مطالبها المشروعة واجب، كما أن السعي إلى مساحة أكبر من العدل والحرية مثل قبلة حياة إلى حركات إسلامية كانت في معركة وجود مع الطواغيت. ومن جهة أخرى: فرض سقوط الطواغيت واقعا جديدا له حيثياته على الساحة كلها، بما فيها مجموع الحركات الإسلامية والتي تجاوز أكثرها قضية الثورة لأنها نجحت – ولو بنسب متفاوتة – ليتعامل مع قضية ما بعد الثورة.

إنه بعد انتهاء بعض هذه الثورات ظهر حكام وحكومات في أشكال جديدة، فمع شراكة الإسلاميين في حكومات تحت حكام غير إسلاميين، أو مع شراكتهم في حكومات تحت حكام إسلاميين، ظل المشترك هو عدم رد قوانين تلك الدول إلى سيادة الشريعة.

وثارت التساؤلات: ما الفرق من ناحية الاعتبار الشرعي بين حكام الثورات وبين من قبلهم؟؟.. وهل كانت التضحيات التي بذلت مقبولة باعتبار ثمرتها؟؟.. وهل الاستمرار في المشاركة مع غير الإسلاميين يمكن أن يؤدي إلى حالة شرعية؟؟.. أم أن وصول رئيس ذي انتماء إسلامي في ظل غياب سيادة الشريعة لا يؤدي إلا لتغيير في شكل “الطاغوت”؟؟..

إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تمكن إلا بعد تقرير جملة من القواعد الشرعية، والتي من خلالها يزول الالتباس في الرؤية، وينطلق العمل الإسلامي راشدا في مسيرة التغيير المنشود.

أولاً: إن دائرة ما يحكم عليه بعدم الشرعية لا تعني التسوية بين كل ما بداخلها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى مترتبة عليها، فإنها لا تعني أنه ليست هناك حركة شرعية يمكن أن تتم داخلها.

فالله لم يسو بين من كفر فقط، وبين من كفر وصد عن سبيله }الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون{[2]  وإن كان كلاهما داخل دائرة الكفر. واشتراك كل من مكة والحبشة – قبل الهجرة إلى المدينة – في أن كلا منهما دار كفر، يحكمها كفار لا يقرون بسيادة شريعة الإسلام، كل ذلك لم يمنع النبي – صلى الله عليه وسلم – من إيجاد حركة شرعية للمؤمنين من دار كفر فيها ظلم واستبداد، إلى دار كفر فيها عدل وحرية.

وعليه، فانتقال بعض بلاد الربيع العربي من استبداد طاغوت كبير، لا يسمح بوجود إسلامي مؤثر، إلى قدر من الحرية والعدل في ظل طاغوت صغير، يسمح بوجود إسلامي مؤثر في مساحة قابلة للتنامي، لهو انتقال ينبغي أن تحرص عليه الحركة الإسلامية – ما لم تقدر على أكثر منه – ولتدفع له ثمنا بمقابل، فقد ظلت عشرات السنين تدفع ثمنا باهظا  لأقل من هذا المقابل.

لكن الحركة الإسلامية في هذه الأحوال ليست ملزمة، بل لا يجوز لها أن تسبغ الشرعية على ما ليس بشرعي من الأوضاع. فإنه لا تلازم بين شرعية الحركة والتغيير، وبين الشرعية النهائية للوضع الأخير. وتغييرنا المشروع حركة في اتجاه مبادئنا الشرعية، ولا يجوز أن يكون بديلا عنها ولا تحريفا لها. وهذا هو الاتزان الشرعي بين المثال والواقع، أو بين المطلوب والمتاح.

ثانياً: إن التشابه في الصورة الخارجية لا يعني دائما اتحاد الحقائق، وبالتالي لا يعني دائما اتحاد الأحكام. فقد تتشابه الصور، لكن الاختلاف القوي في القرائن المحتفة يؤدي إلى تضاد كامل في الحقائق، وبالتالي في الأحكام.

فبينما يحرم على الإنسان أن يباشر النجاسات على وجه الانتفاع أو عدم المبالاة، يشرع له أن يباشرها على وجه الإزالة والتخلص كما في الاستنجاء. وكما يحرم على من غصب أرضا أن يمشي فيها على وجه الاستعمال أو الانتفاع، يشرع له أن يمشي فيها تائبا من مظلمته ساعيا في الخروج مما لا يملك. فمن أهمل القرائن المحتفة الدالة على الحقيقة، وحكم بظاهر الصور المتشابهة، فقد ظلم وجمع بين ما فرق بينه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وعليه، فصورة الوجود كحاكم في ظل غياب لسيادة الشريعة قد تكون تعبيرا عن “الطاغوتية” عندما تكون رفضا لهذه السيادة، وعداوة لها ولأهلها، وقرائن بل وتصريحات الماضي القريب لم تنسها الأجيال بعد. لكنها قد تكون تعبيرا عن “العبودية” عندما تكون مدافعة لواقع العلمانية الباطل، وفي ظل إعلان للولاء للشريعة، والقرائن الحالية والمقالية  هنا شاهد عدل لا ترده صورة موهمة للتشابه.

لهذا لم يكن غريبا أن نجد قبول وجود حقيقة “العبودية” مع صورة تشتبه مع “الطاغوتية” في كلام أئمة الإسلام الذين أبرزوا حقيقة التوحيد ووجوب إفراد رب العالمين بالتشريع، كشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في كلامه عن وزارة نبي الله يوسف – عليه السلام – وعن ملك النجاشي – رحمه الله – بعد إسلامه للحبشة. وكذلك عند العلامتين السعدي وأحمد شاكر – رحمهما الله – وغيرهما. فكان ذلك من رسوخ علمهم، خلافا لمن خطأهم مع بعد رتبته عن رتبتهم.

وأقل الأحوال التي تلزم المخالف في هذه المسألة، أن يطوي بساط “الطاغوتية والتكفير” لوجود الاحتمال الشرعي والشبهة الواقعية، وهما كافيان في درأ تلكم الرتبة، ولينتقل بعدها إلى تصويب وتخطيء بين راجح ومرجوح، فهذا أوسع وأسلم.

ثالثاً: إن دائرة عدم الانتماء للإسلام ليست دائما هي دائرة العداوة للإسلام، بل قد تكون الأولى أوسع من الثانية. وبالتالي فالعداوة العقدية لا يلزم أن تترجم دائما إلى عداوة سياسية.

وإن كان الأصل الغالب الذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن عدم الانتماء منتج للعداوة }ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا [3]{ }وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة{ [4]. لكن الله – تعالى – برحمته قضى بوجود استثناء من هذا الأصل العام، ليفرج به عن عباده المؤمنين، فقد دخل بنو هاشم -قبل إسلامهم- الشعب مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخلت خزاعة -قبل إسلامها- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية. فلم تترجم العداوة العقدية هنا إلى عداوة سياسية، بل استدعى اختلاف المواقف بين غير المنتمين للإسلام اختلافا في التعامل معهم ولا بد.

وعليه، بل ومن باب أولى ينبغي أن يفرق في التعامل السياسي مع غير المنتمين للمشروع الإسلامي، وفيهم كثرة لم تبلغ مبلغ الردة والمعاداة لشريعة الإسلام، وذلك بحسب تفاوت علاقاتهم بحملة الشريعة. وهذا التفريق من الحركة الإسلامية بين الموقفين العقدي والسياسي يحافظ على ثبات المبادئ مع مرونة الحركة، خاصة ونحن نعالج أمرا قد حاز استقرارا عبر السنين ودعما عبر القارات.

بالمقابل فإن توحيد الموقفين العقدي والسياسي يؤدي إلى تجميع الخصوم وتكثيرهم، في وقت نحن أحوج شيء فيه إلى تفريقهم وتقليلهم. ولا ينبغي أن تغرنا هنا كثرة المنتمين إلى مشروعنا مقارنة بالمنتمين لمشاريع غير إسلامية، فالعبرة بالفاعلية وقوة التأثير والقدرة على حسم الصراع، في ظل عالم متداخل التأثير والمنافع. فإما أن نحسن استثماره بتداخلاته، وإما أن تجتمع كعراقيل في طريقنا.

رابعاً: إن الحد الفاصل بين حالي الاستضعاف والتمكين بمقدار ما يباعد بين الطرفين إلا أنه لا ينفي تداخلات في مساحات قابلة للضيق والاتساع، بحسب معادلة الواقع المتغيرة. فقد لا يخلو مستضعف عن أشياء يمكنه أن يقيمها، كما قد لا يخلو ممكن عن أشياء يضعف عن إقامتها. والواجبات الشرعية هنا مرتبطة بتفاصيل الجزئيات أكثر مما هي مرتبطة بالحكم الكلي.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان مستضعفا في مكة قبل الهجرة، ومع ذلك فقد انقسمت الفترة المكية إلى مرحلتين دعويتين كبيرتين: أولاهما: مرحلة الإسرار بالدعوة. ثانيهما: مرحلة الإعلان لها. فارتبط الإعلان بإمكان جزئي مع أنه كان في ظل استضعاف عام. وكذلك بعد الهجرة إلى المدينة، تدرجت أحكام الجهاد خارجيا، وتدرجت أحكام معاملة المنافقين داخليا – من الوعظ والإعراض إلى الجهاد والإغلاظ – إذ وجد في أول الهجرة النبوية ضعف عن تلكم الأحكام النهائية مع أنه كان في ظل تمكين عام.

وعليه، فمن يطلب من تمكين لما يستقر بعد ما يطلب من التمكين المستقر بدعوى معنى التمكين وقيمته، من يفعل ذلك يجافي الممكن، ويطلب قفزة قد تدك فيها الأعناق ولا تدرك الآمال. كذلك من لا يستثمر الممكن لا يشكر النعمة ولا يقوم بحقها. وبينهما مسافة للرأي والاجتهاد، وذمة لا تبرأ إلا بالتقوى والورع.

وأخيرا، نحن في نعمة وامتحان، ربما لم نتخيله قديما بهذا القرب، لكنه واقعنا الذي نعيشه، وواجبنا الذي لا يسعنا التأخر عنه. ومن ظل أسير ماض لم تتجاوزه مشاعره وعقله، فسوف يتجاوزه الواقع بأحداثه المتسارعة. فالبدار البدار.. إني لكم ناصح أمين.
:: موقع مجلة البيان الالكتروني


[1] [الأعراف – 54].

[2] [النحل – 88].

[3] [ البقرة – 217 ].

[4] [ التوبة – 36 ].

 

أخوة من نوع آخر تماماً

ذكر ابن الجوزي في صيد الخواطر : أن رجلاً استأذن على قاضي القضاة ابن أبي داود وقال: قولوا له أبو جعفر بالباب ، فلما سمع هش لذلك ، وقال: ائذنوا له فدخل فقام وتلقاه وأكرمه وأعطاه خمسة آلاف وودعه ، فقيل له: رجل من العوام فعلت هذا به؟ قال: إني كنت فقيراً وكان هذا صديقاً فجئته يوماً قلت له: أنا جائع ، فقال: اجلس وخرج فجاء شواء وحلوى وخبز فقال: كُل ، فقلت: كل معي قال: لا والله لا آكل حتى تأكل معي، فأكل فجعل الدم يجري من فمه. فقلت: ما هذا؟ فقال: جرحت، فقلت: والله لابد أن تخبرني، فقال: إنك لما جئتني لم أكن أملك شيئاً وكانت أسناني مضببة بشريط من ذهب فنزعته واشتريت به فهلا أكافئ مثل هذا !!

لا يرض الناس عن الخالق !!

عن الربيع بن صبيح قال: قلت للحسن: إن ها هنا قوماً يتبعون السقط من كلامك، ليجدوا إلى الوقيعة فيك سبيلاً، فقال: لا يكبر ذلك عليك، فلقد أطمعت نفسي في خلود الجنان فطمعت، وأطمعتها في مجاورة الرحمن فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، لأني رأيت الناس لا يرضون عن خالقهم، فعلمت أنهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم.

[نقلاً عن صفحة “أقوال من سلفنا الصالح” على الفيس]

رائعة من روائع الإمام الحسن البصري رحمه الله، فمن خالط الناس وعلم أخلاقهم، علم أنه لا سبيل إلا إرضاء واحد منهم، فضلاً عن إرضاء أكثر من ذلك، وإن كان يذكر أن هناك سبعة مستحيلات في هذه الدنيا – وهي أكثر من ذلك – لكن يضاف إليها “إرضاء الناس”، فكما قيل: “إرضاء الناس غاية لا تدرك” وقيل أيضاً: “من سعى لإرضاء الناس فقد سعى إلا ما لا يدرك” وقيل أيضاً: “مفتاح الفشل هو السعي لإرضاء الناس”، ومن ظن – مجرد ظن – أنه يمكن أن يرضي شخصاُ واحداً في هذه الدنيا – مهما كان هذا الشخص محباً له – فسيتضح له بجلاء أنه أمر مستحيل.

وما أعظم الله عزوجل !! – رب العالمين الذي له ملك السموات والأرض – يستيطيع العبد المؤمن أن يرضيه بأسهل من إرضاء أحد من البشر، لأن الله عزوجل – بجلاله وعظمته وكماله – لم يفرض على البشر ما لا يستطيعونه، بل ما فرض عليها إلا ما يقدرون عليه، ومتى ما أدى العبد ما يرضِ الله عزوجل به، فإن الله تعالى يرض عنه.

فاللهم ارض عنا، وارضنا !! واجعلنا من رضى الناس في يئس !!