لا شيء يرضينا

تعلم ألا تنتقد الآخرين لمجرد أنهم يختلفون معك
هناك مساحة للآخرين ليكون شيئاً آخر غير الذي تكون

لا شيء يرضينا.. كل شيء لو أطال المكوث مللنا منه..
حتى زهرات الربيع نمل من تمايلها على الأشجار..
وننتظر الخريف لتسقط..

لتكتب.. لا بد أن تحضى بشعور دافئ
الكلمات الجافة تعبر كريح الشتاء
قاسية.. تحمل الصقيع والزمهرير..
ولكنها تعبر..

كن أنت ذاك تجدك على ذاك، ويجدك مثلك على ذاك

قال أبو المتيم الرقي: قلت لابن الموله: من أخلص إليه، وأشتمل بسري وعلانيتي عليه؟

قال: من إذا لم يكن لنفسك كان لك، وإذا كنت لنفسك كان معك، يجلو صدأ جهلك بعلمه، ويحسم مادة غيك برشده، وينفي عنك غش صدرك بنصحه. اصحب من إن قلت صدقك، وإن سكت عذرك، وإن بذلت شكرك، وإن منعت سلم لك.

قلت: يا سيدي، من لي بمن هذا نعته؟

قال: كن أنت ذاك تجدك على ذاك، ويجدك مثلك على ذاك، كأنك إنما تحب أن يكون غيرك لك، ولا تحب أن تكون أنت لغيرك.

>> كتاب: الصديق والصداقة | لـ أبو حيان التوحيدي <<<

نباهة الرد على الخصم

قال صاحب وفيات الأعيان 4/269 في ترجمة الباقلاني: وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورا بذلك عند الجماعة ، وجرى يوما بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة ، فأكثر القاضي أبو بكر المذكور فيها الكلام ، ووسع العبارة ، وزاد في الإسهاب ، ثم التفت إلى الحاضرين ، وقال: اشهدوا علي أنه إن أعاد ما قلت لا غير لم أطالبه بالجواب ! فقال الهاروني: اشهدوا علي أنه إن أعاد كلام نفسه سلمت له ما قال !

أخوة من نوع آخر تماماً

ذكر ابن الجوزي في صيد الخواطر : أن رجلاً استأذن على قاضي القضاة ابن أبي داود وقال: قولوا له أبو جعفر بالباب ، فلما سمع هش لذلك ، وقال: ائذنوا له فدخل فقام وتلقاه وأكرمه وأعطاه خمسة آلاف وودعه ، فقيل له: رجل من العوام فعلت هذا به؟ قال: إني كنت فقيراً وكان هذا صديقاً فجئته يوماً قلت له: أنا جائع ، فقال: اجلس وخرج فجاء شواء وحلوى وخبز فقال: كُل ، فقلت: كل معي قال: لا والله لا آكل حتى تأكل معي، فأكل فجعل الدم يجري من فمه. فقلت: ما هذا؟ فقال: جرحت، فقلت: والله لابد أن تخبرني، فقال: إنك لما جئتني لم أكن أملك شيئاً وكانت أسناني مضببة بشريط من ذهب فنزعته واشتريت به فهلا أكافئ مثل هذا !!

نسائم حجازية وقطوف دانية‎ !!

بسم الله الرحمن الرحيم

تسألني -أي حبيب الفؤاد، ونور الجسد المضنى في البلاد، وخليل القلب الغريب عبر الصحارى والوهاد – عما اعتمل في صدري من الخواطر.. عما ملكني من الأحاسيس والمشاعر.. وأنا أشاهد ركب المفلحين قد أناخوا أمام الرب الرحيم الغافر.. عند البيت المقدس المبارك العامر.. تسألني – وأنت الذي ما برحتَ صاحب الجفاء، بعد حياة لطالما امتلأت بالحب والسعادة والصدق والبراءة والصفاء.

تسألني.. وأنت تعلم أن مما ابتليت به – بل من أشد البلاء – تركي لك أو تركك لي ساعة أزف الرحيل وأبعد الفراق عني النور والضياء.. وحلت مكانه الليالي الظلماء.. كذلك يبلوني الدهر بالأرزاء..

أيا حبيباه: مازلتَ كما علمتك – إن شاء الله – ممن اجتباه ربه وهداه.. فها أنذا أحاول الاقتداء بك عسى يوماً أن أكون ممن أخلصه الله بخالصةٍ ذكرى الدار فحباه وأصطفاه..

أيا حبيياه:
سأخبرك عن المشاعر..في أرض الأنوار والأمجاد والمآثر:

هنا – أمام البيت المبارك والهدى للعالمين – ترى الجسد المضنى بأوضار الدنيا، والروح المثقلة بأوزارها قد جَلاهما مناجاة علام الغيوب، وترتيل ما يداوي القلوب، كيف لا يكون؟ والمتقون من قبل كانوا في جمال السحر، ومناجاة البواكر والأخر، أمام البيت العتيق حيث يقبلون على الله ويتركون كل صديقٍٍ وحبيبٍ ورفيق.. يقولون:

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. إلهنا إن لم نكن كما أمرتنا، فأنت ذو عز وغنى، ونحن المساكين إن لم تكن لنا فإلى من نلجأ إليه ربنا..

إلهي ارحم عباداً غرهم طول إمهالك، وأطمعهم كرم نوالك، وعلموا ألا غنى لهم عن سؤالك.. ارحم عباداً طالما نظروا لعظيم إفضالك فذلوا لعزك وجلالك.. إلهي كيف لا ترحمهم؟ كيف لا تجيب سؤالهم؟ ولولا فضلك وكرمك لم يصلوا إلى ذلك..

أيا ضياء القلب الحزين، ونور الحائرين:

سأخبرك عن مشاعري.. سأخبرك هنا.. ترى الدعاء مع الرجاء يفيض من القانتين الأوابين كالماء المنهمر.. تراهم ما فتئوا يرددون القول المستمر، وشوق المحبة والرجاء في قلوبهم قد استقر.. مع الحبيب المصطفى سيد البشر والنذر- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -: (سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك علي، هذي يدي وما جنيت على نفسي)، فما أحلى أن يبقى ذلك مدوناً في العقول والقلوب والزُبُر، عسى أن ينعم المحب الطامع الخائف بجنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. ويكفي رؤيتهم وهم على هذه الحالة، فهل من مدكر؟ فكيف لو شاركهم المرء فيما يصنعون متشبهاً بهم؟ فهل يضيع ذلك عند الله؟ كيف وقد قال: (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر)، وكذلك ربنا يغفر لمن استغفر وادكر.

وها هي – أيا حبيب القلب الملهوف، ومن تعجز عن وصف مودته الحروف – بعض إشراقات رؤية البيت الحرام، حيث السكينة والبركة والرحمة والسلام.. قمتُ أبحث عما تخزنه الذاكرة مما يليق بالابتهال.. عسى أن ينزاح من قلبي المعنى شؤم آفات المعاصى ويزول من الفكر التحيرُ والضلال..أتيت والقلب – كعادته – يحمل الأوزار الراسخة الثقال.. تعدت بظلمتها الفؤاد.. حتى طغت على الوجوه والأجساد الشداد.. فمالها فيَّ من واق وما لها من وال.. فاستحضرت عدداً من الابتهالات التي بعضها يسمو.. وبعضها يهفو.. وبعضها يقترب من معالجة الأمر العضال.. ولكنها جميعاً لم تلمس يد الشمس ولا سَمِعتْ تسابيحَ الرعود.. إذ ما لأشواق القلب حدود.. لا لضعفها بل لضعفي حين أرددها.. وكيف السبيل وقد قيدتني القيود، وأكلت نفسي أمام نور ربي خطيئات العبث واللهو والصدود، وعوقبت عن لذة الأنس وحالت بيني وبين حلاوة المناجاة السدود..

أيا صاحب الإطلالة الرائعة، والإخبات الإيماني والنفس الأوابة الخاشعة:

هل تدري لماذا أكتب إليك؟: لأني أعرفك.. حقاً يا حبيبي أعرفك.. عندما جئتَ إلى هنا مرة تناديني مودِّعاً: (إني ذاهبٍ إلى ربي سيهديني).. تبتسم ابتسامة رائعة وأنت تقول: – قراءة يعقوب أي الياء في “سيهديني” – وتراني ودموعي تتبعك فتنزل مني حارة فتكويني..وما علمتُ أنه فراق طويل لا زال يحرقني ويشويني.

تسألني لماذا أكتب وقد فرقتنا الأيام، ومضت الأوقات كالأحلام، أو غمض المنام؟ تسألني: أنا أعرفك.. وأعرف كيف قُضِيتْ لك الحاجات، وتحققت الأمنيات، وكيف تألق نجاحك ترتقي في المعالي والمكرمات.. وكأني بك هنا في محاريب القانتين قد ارتفعت منك الزفرات.. وتزين منظرك برفعك ليديك تدعو الملك الجليل رفيع الدرجات.. فتقول:

رب.. رب: إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وعظم معصيتي، وكثرة ذنوبي وعظم خطيئتي، وظهور فقري وفاقتي، وكبر مصيبتي، وشدة حاجتي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ..

يا رب أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوٍّ بعيد يَتَجَهَّمُنِي؟ إلى من تكلني يا رب؟ إِلَى صديق قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إلى من تكلني يا رب؟ إلى نفسي الضعيفة الظلومة الخاطئة العاصية المقصرة تغمني وتحزنني؟ إلى من تكلني؟ يا رب إلى الضعفاء وأنت القوي العظيم؟ إلى من تكلني؟ إلى الفقراء وأنت الغني الكريم؟ إلى من تكلني؟ إلى الأذلاء وأنت العزيز الحكيم؟ إلى من تكلني؟ إلى الجهلاء وأنت الخبير العليم؟ إلى من تكلني؟ يارب؟!

ربَّاهُ: أقبلت الوفودُ، وزادُها تَقْوى سَقاها بالدُّموعِ، وجيبُ لَكَ رحمةٌ عظمى تظلِّلُهم بها ولهمْ نفوسٌ خشَّعٌ وقلوبُ، وقَفوا ببابِكَ يسألونَكَ نعمةً ورضى وأنتَ تبَرهُم وتُجيبُ، ووَقَفْتُ معقودَ اللِّسان، فما معي إلا أمـانٍ نُوَّمٌ وذُنُوبُ، ولكأني أراك آنذاك يا ربيع الفؤاد.. تتقلب تقلب الموجوع الهائم في الصحارى والوهاد.. تنادي ربك بأنينٍ وحنين..وابتهال وحزنٍ دفين.. قائلاً:

رباه ! إني لما أنزلت إلي من خير فقير.. تكررها عشراتٍ تكرير المسكين الخائف الضرير.. تكررها عشراتٍ فعل الذليل الكسير، وكأني أسمعك تتبعها فعل الملهوف الحائر الأسير فتقول:

أهٍ ! رباه.. رباه.. يا ربي: هاأنذا بين يديك.. أرنو إليك..
((ربِّ أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، ربِّ اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، لك رهاباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً، إليك أواهاً منيباً، ربِّ تقبل توبتي . واغسل حوبتي . وأجب دعوتي . واهد قلبي . وسدد لساني . وثبت حجتي . واسلل سخيمة قلبي)

يا رب يا رب:

ربَّاهُ جئتُكَ تائباً قد مسَّني ممَّا جنيتُ ضلالةٌ ولُغُوبُ
عَظُمَتْ مواسمُك التي أعددتَها للتائبين بها الحياةُ تطيب
ورجعتُ يا ربي إليكَ وجَعْبَتي ملأى حكايا والجوانح حوبُ
فامنُنْ عليَّ عفوِكَ إنَّني في ساح فضلِكَ طائعٌ ومنيب

هنا – أيها الطالب للمكرمات المرتقى للدرجات – هنا تردد أعظم ابتهاالات الصالحين، وأجمل ترانيم المسبحين، فتنادي ذا العرش ذا القوة المتين: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء : 87] وتستغيث فعل الراكعين الساجدين:

فَأَخِرُّ أَسْجُدُ ضارِعاً وأَظَلُّ أَنْشُجُ بالبُكاءْ ! وأقول: يا ربي استطلت وما أنا إلا هَبَاءْ ! وأقولُ: يا رَبِّي أَثِمْتُ وضَلَّ صُبْحِيَ والمَساءْ ! وأَقُولُ: رَبِّي أَبقْتُ وما اهْتَدَيْتُ إلى النَّجاءْ ! وأَقُولُ: يا رَبِّي مَرِضْتُ وما أُرِيدُ سِوى الشِّفاءْ ! واليَوْمَ أصْحُو من سُباتِيَ أَسْتَفيقُ مِن البَلاءْ !
واليْوْمَ أَهْتِفُ بالدُّعاءِ فهل سَيُسْعِدُني الدُّعاءْ؟!

أَنِّي لأَشْعُرُ بَعْدما بَيَّنْتَ لي الدَّرْبَ السَّواءْ!
وسَكَبْتَ في قَلْبي السَّكِينَةَ والتَّطَلُّعَ والرَّجاء!
أَنِّي نَجَوْتُ فَلاَ نُكُوصَ ولا رُجُوعَ إلى الوَراءْ!
جَلَّتْ أَيادِيكَ السَّخِيَّةُ واسْتَفاضَتْ بالعَطاءْ!
فَأَنا السَّرِيُّ بما حَبَوْتَ وكنْتُ أَجْدَرَ بِالرِّثاءْ!
قد كُنْتُ في الدَّرْكِ السَّحِيقِ فَصِرْتُ في القِمم الوِضاءْ!

وتسألني بعد هذا الجفاء لمَ البكاء? لم الحزن والرثاء? لمَ أظل أحاول رؤيتك كلما أطل القمر وغشى الأرضَ المساء> تسألني وأنت الذي لطالما أنشدت لي تحفظني.. وتستثير مكامن الإيمان مني وتستفزني لذكر الله كثيراً، وتسبيحه بكرة وأصيلاً، والتلذذ باسمه شعوراً وحباً وترتيلاً.
أنت الذي تكرر قصيد الابتهال الخالد على مسامعي.. فتهز بفعلك قلبي وتقضُّ مضاجعي..

يا رب:

لك الأمـر لا يـدري عبـادك ما بيا ** لك الأمـر لا للناصحيـن ولا ليـا
وهذي معاذيـري وتـلك صحـائف ** عليها خطاياها وفيهـا اعترافيـا
وفيها من الأمس الأليم وحاضـري ** وفيهـا مـن الآتي وفيها ابتهاليـا
وفيهـا تهاويـلٌ ومهجـة حائر ** ينــام بهـا يأساً ويصحو أمانيـا
وفي النفس ما أخشـى ظـلام ضبابه ** على نور إيمانـي ومسرى حياتيـا
ونازعنـي شـوقٌ إليــك وهزّنـي ** من الغيـب ما يهفو إليه رجـائيـا
أناديك في ضعف وأخجـل أن تـرى ** جـراحَ أمـانيــه ولـون دمائيا
لك الأمـر أشـواقي ببابـك والمـنى ** ولـي أمـلٌ ألا يـطول انتظاريـا
لـك الأمـر ما لي أرتجيـك فيلتوي ** لسـاني وأمضي بـالتوسُّل شاكيا
ومنَّيت روحـي من سنـاك بلمحـة ** أُضـمِّد آلامـي بـها وجـراحـيا
ضياؤك أغـرى باليقين جـوارحـي ** وفجّـر أعماقـي وأفـضى بذاتـيا
لك الأمر أسباب ضعافٌ وخاطـري ** ببابك يخـشى رجعتي وانـحرافيا
دعوتـك مـلء النفـس ألا تـردَّني ** مغيظاً وألا تـستعيد سـؤاليـا
لك الأمـر ألهـاني حـديث أعاده ** عليـك ضـميري واستحاه لسانيـا
تَنسّمْتُ أمـواج الرحيل وأشرفت ** علـيَّ أمـانيه فَبَـارِكْ شـراعيـا

وبعد: أيها الراحل مهلاً.. هل أنادي جدار الصمت؟ كلا ! آن الأوان لأردد بإخباتٍ وإذعان: “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق” قد آن وحان..آن الأوان لأعتق نفسي من التعلق بك إلى التعلق بالحق الصادق بالرحيم الرحمن.. ربما ستعجبك رسالتي القادمة إن نجحتُ في هذا الامتحان.. فلا يبقى لي إلا أن أسأل ربي في إخباتٍ وإذعان: آتني خير ما تؤتي عبادك الصالحين يا عظيم يا منان..

من عزيزية أم القرى.. أكتب لك وأُراودُ دموع العين أن تكف السرى.. وتصنع من دعائها وصلاتها ما صنعه محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – خير الورى.. أرجو يوماً أن أراك وقد افتخرتَ بي.. وعلمت أنني أهل للود..

اللهم أسألك إيماناً لا يرتد، ولا نعيماً لا ينفد، ومرافقة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم- في أعلى جنان الخلد..

ولك مني – على الرغم من كل شيء – قلباً دائماً محباً وامقاً، ولساناً دائماً داعياً صادقاً..

محبك/ عبد السلام مقبل المجيدي

عبقُ الآثار المضيئة.. وأَلَقُ الأفنان القرآنية

بسم الله الرحمن الرحيم

كتبه: فضيلة الشيخ/ عبدالسلام بن مقبل المجيدي

إلى حبيبٍ لا تبلى مودته:
ودَّع القلب الوامق.. المربي الأجلَّ الفائق..علمَ الإقراء، ودرةَ القراء..شيخ المتعبدين، ورائد الزهاد الناسكين، وإمام المهرة المتقنين..وقمر السارين في ليل الأمة الحزين فضيلة شيخنا الجليل..المرتل للتنزيل/ إسماعيل عبد العال أحمد الشرقاوي في يوم الأربعاء27 من شهر شعبان 1432 هـ الموافق 28/7/2011 م بعد أن قضى نحواً من خمسٍ وستين سنة تتفيأ الأمة بإقرائه ظلال (حزر الأماني ووجه التهاني)، وجمال (الدرة) اليتيمة بين الحسان الغواني، ونسائم (الطيبة) حيث يقول القارئ له: رفعه الله مكاناً علياً لقد حلَّ بإقرائه عقدةً من لساني..وقد كنتُ كتبت له كتاب اعتذار..أبغي بذلك رضا الغفار.. حين عاتبني على التأخر في زيارته قبل وفاته بيسير..وأرسلتُ الكتاب إليه ليقرأه فضيلة الشيخ محمد الوائلي –أحد أجلة طلابه- فعلَ الحيي الكسير..قبل أن أذهب إليه..وأزين وجهي بلثم يديه.. ألثم يداً طالما أشارتْ إليَّ تعليماً وتربية..وأنظر عيناً طالما ملأت حياتي علماً وحلماً وحناناً وتزكية،،، فها أنا ذا أبثُّ ما كتبت في رسالة الاعتذار..بعد أن أصاب القلب بفقد الشيخ الضيق والإعسار.. ويظهر في الكتاب سناً من بريق العابرين..وخاتمة مسك المقرئين…
أبثّ لك هذه الرسالة أخي الحبيب… تذكراً للعَلَم المخبت المنيب.. ووفاءً لمن انتميت إليه حياتي..وأذاقني جمال الآياتِ البيناتِ.. عسى أن تتنزل الرحمة بذكره..وتتضوع أيامنا مبتهجةً بعبير نشره- رفع الله درجته في عليين، وأعلى مناره في العالمين يوم الدين، وجمعني به في ميدان (اقرأ وارق)نتنسم عَبَق فرحةِ المفلحين الفائزين من أهل القرآن السابقين، وأخلف الأمة بخيرٍ وهو أرحم الراحمين:

أبـا دُرةٍ لهـفي ذكراك لهفةً يباشر مكواها الفؤاد فينضجُ
لمن تستبين الأرض بعدك زهرةً فتـصبـح في أثوابـها تتبهـرجُ
عفاءٌ على أرضٍ تقيم بغيرها فليـس بـهـا للصالحيـن معـرّجُ
وليس البكا أن تسفح العين إنما أحر البكائين البكاء المولَّجُ

دوحة الخير –زادها الله أمناً وإيماناً-
20 شوال1432 هـ

************************

بسم الله الرحمن الرحيم
شيخي المبجل، ووالدي المنيب/ إسماعيل عبد العال أحمد
كان الله به حفياً، ورفعه مكاناً علياً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أَذِن الله لوجهينا أن يتقابلا في حينٍ من الدهر…فهل كان ذلك إذنٌ منه –جل وعز- لفؤادينا أن يلتقيا على حبٍ ومودةٍ فيه…إي والله…ولئن كان الشرع يأمر بوصال المتحابين في الله، ومجالستهم فقد جعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك من الرزق الذي يُغْبَطُ عليه لندرته، وأمر بالتشبث به حال تحققه فقد روى ابن أبي الدنيا عنه قوله: (إذا رزقتم مودة امرئٍ مسلمٍ فتشبثوا بها)

فكنتمُ رزق مجـدي لا عدمتكـمُ وكنتم مراديَ في صمتي وفي كلمي
وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي منهم إليهم عليـهم فيهمُ بهمِ

ولكن وخز النوى عنكم ما برح يتبعني حقباً…وبلغت من ذلك نصباً…وقد لقيت في صحبتكم والتتلمذ بين أيديكم من الخيرات أمراً عجباً…وكم دوايت القلب العليل…بسماع الصوت الجليل…يوم أن كنتم ترتلون القرآن مخبتين..فاستمع منكم إلى بضع آيات بينات متعللاً بأنه قد يغني عن الكثير ….لَثْمُ القليل…ولكن هيهات:

وإني لأستغشي وما بي نعسة ٌ لعل خيالاً منكَ يلقى خياليا

سيدي ووالدي المخبت/ لا مبالغة إن أقل:

فما طلع النجم الذي يهتدى به من الليل إلا كنت للنجم راعيا

وبعد: سيدي كبير المقرئين، وعابد دولة الخاشعين:
أما أولاً: فهذا حبٌ صادق لقلبٍ القارئ المتعبد إسماعيل أعنيه إماماً صبوراً للقرآن مرتلاً… كما أن هذا اعترافٌ متجدد، ولهجٌ بالشكر لا برح يدعو لسان صاحبه لكم: اللهم افتح له فتحاً مبيناً، واغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم نعمتك عليه، واهده صراطاً مستقيماً، وانصره نصراً عزيزاً، وآته من فضلك ورحمتك أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين…وأنا ذاكم المتيم الداعي، وأنتم من لا برح شكركم لساني…وأنى لي أن أقضي عُشْرَ واجب الشكر لكم باللسان…فكيف بغيره؟ فما يزال اللسان يردد أصداء الذكرى التي تجول في القلب:

أدر على السمع ذكراهـم فإنَّ لهـم في القلب منزلةً مرعية الذمم
إذا تـذكـرتـه لاحـت لي مخــايلـه للعيـن حتى كأني منه في حلـم

وأما ثانياً: لقد وجدتك في حياتي تتصدر المحراب القانت للمقرئين المخبتين فأُشربت منك حب التعلق بكل ما اتصل بكتاب الله المتين..فصرتَ –في عيني- عبداً لله محمداً محموداً إماماً للمتقين… جعلكَ الله سبباً في أن يكون القرآن شعوراً فياضاً يملأ جسدي، وروحاً أميرة للنور أمارة بالخير تسري في جوانحي، ونوراً يشع في عواطفي…وأنبتَ في نفسي أن استظهار امرئٍٍ لآيات الكتاب هو المنة العظمى؛ إذ قد آتاه الله السبع المثاني والقرآن العظيم…والعاقبة للتقوى.. فلا يمدن عينيه إلى ما سواه من متاعٍ زنيمٍ..عسى أن ينال الدرجات العلى…وما يكون ذا إلا وليد مجاهدةٍ ، تستصحب صبر أولي العزم …فإذا صاحبها عارف في عرفات…نبيلٌ في رياض الأرض والسموات… وما رأيت منك على طول المدى إلا أن أسقامك تزداد فيكون القرآن سميرك غير المفارق…شفاءً لما في صدرك، وهدىً، وموعظةً، وزيداً في إيمانك..فأحببتك حب الملهوف الوامق…وُهِبتَ بذلك رحمةً من ربك ترجوها؛ إن فضله كان عليك كبيراً…فلك من ربك الأمان يوم الفزع الأكبر، والخلد في الفردوس الأعلى يوم الفوز الأعظم .
وأما ثالثاً: فهذا شوقٌ يضطرم، وحشاً يذوب، وعَبرةٌ تتابع شوقاً للقائكم، وحنيناً لربعكم، وإقراراً بأني نهلت من علمكم… اغترفت من سمتكم…وكساني فضلكم بفضل ذي الجلال والإكرام….وقد حاول فؤادي المُعنَّى…حاول التشبه بكم على البعد…فآلمني والله أني لم أكتسب جناناً مباركاً مخبتاً كجنانكم ، وكان حالي كما قال شيخنا علامة العصر، ونابغة الدهر فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في وصفه للعالم الرباني: أبي الحسن الندوي: “وحاولنا أن نقلده فلم نستطع، وكل ميسر لما خلق له”…ولكن ما عساي أقول إلا الجمع بين الحنين…وواقع الأنين:

أبـداً تـحـن إليكـم الأرواح ووصالكم ريحانها والـراح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

وقد شرفت والله أن أقدم لكتاب يترجم لحياتكم العامرة بإقراء القرآن، وتنبيه الغافلين من أبناء الزمان، ودلالة الراغبين بعبق الجنان، وصار من أمري كما قيل:

سأذكر من أريج المسك عطراً وأذكر شيخنا في كل نادي
وأنثر من كل قافية وروداً لأكرم من تذكرهم فـؤادي

شيخي الجليل: أيدكم الله تعالى:
لقد كنتم من مفاخر مصر فلما جئتم اليمن ازدانت بكم وارتفعت، وأزهرت غرسكم بالقرآن فيها فأينعت الثمرة واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكيف يتنسى لي أن أشكركم وعلى ماذا..وقد أكرمني الله تعالى فكنت أول طلابكم أخذاً للعشر الكبرى في اليمن …وعلامَ أشكركم؟ أعلى تعليم الأحرف البينات، أم على تعلمي منكم الخلال المشرقات، أم على رؤيتي لكم تعلمون الأجيال عملياً الصبر على العبادة في الجلوات والخلوات..كيف يمكن شكركم وأنتم ترسمون لي وما زلتم طريق المؤمنين، والسبيل الذي يظهر فيه نور المقرئين …فإني لأرجو أن تكون شيخنا فيمن يقول الله فيهم (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة : 119]، ومهما تقضت الأيام فسيبقى قولي:

سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ** أيادي لـم تـمنـن وان هي جلـت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ** ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ** فكانـت قـذى عينيـه حتـى تجلـت

سيدي الحبيب المبجل: لئن كنت أقصر في زيارتكم فإني والله ما فارقني طيفكم طرفة عين، ولا نأى عني سناكم ، ولكن لعلمي بشدة حرصكم عليَّ، ورأفتكم بي، وحبكم لي فقد كنتُ بَيَّتُ في نفسي ألا أكتب لكم رسالةً حياء وإجلالاً…حياء منكم وإجلالاً لكم…لكن أبى علي ذلك: فؤادي الذي فيه حبٌّ لكم مستقر..ودعاء لكم دائم مستمر..وكأني المعني بقول القائل:

أيا شيخ لو أن الخيال يزورني على كل شهر مـرة لكفاني
لئن غبت عن عيني يا شيـخ إنه لشخصك عندي ظاهر لعياني

شيخنا الجليل: لقد تعلمت منكم القرآن الكريم آياً متيناً، وجمالاً بديعاً رائقاً ونوراً في حياتي مبيناً، فهل أتاكم نبأي وأنا بين أيدكم أو أنا بعيد عنكم أتذكركم شيخي فأرى فيكم أنك حقاً مُذَكِّر التقوى، ومن يحث الخلق لإيثار الآخرة على الأولى…ولعلكم –شيخنا-أن تروا وراء كلماتي كلماتٍ…وخلف حروفها آهات…فأرجو أن تسامحوني على ذلك فلقد كانت حفاوتكم بي –بنعمة الله مما لا أستطيع بذل الشكر له، وقد قال الإمام الذهبي نقلاً عن حكم بعض الصالحين “ليس في الدنيا حمل أثقل من البر فمن برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك”…

شيخي الحبيب -أعزكم الله -: قد سرى علمكم كما سرى حبكم في قلبي فأَسَرَّني كما أسَرَني…فيا شيخنا: إما مناً بعد وإما فداء..سبيتني بحسن خلقك، وعظيم رفقك، وشدة حرصك علي، وتجسد المعاني الإسلامية فيك، ورائق مودتك لي..وكم رددت فيك قول القائل:

وكنتَ حديثنا في كل ليـلٍ إذا نام الخلي وغاب نجم
ربيعٌ تعشب الوديان منه وحبٌ: إن بكى جوعٌ ويتمُ

وما حالي وحالكم إلا كما قال محمود شاكر في الرافعي: كان الرافعي حناناً نأوي إليه، فقد كنتم وما زلتم والله حناناً آوي إليه ، وأختم رسالتي لكم وتقديمي لكتاب ترجمة سيرتكم بقول لا أجد أحق منكم بأن يردد فيه – شيخنا الجليل أيدكم الله تعالى:

بحبك قد ملأت اليـوم قلبـي فذقـت من السعـادة ما أذوق
رأيتك صادق الإحساس شهمـا بكـل كريمــة حقـاً حقـيــق
عهدت اللطف في الكلمات عذبا وفي النظرات ألقى ما يروق
سكنت مكامن الوجـدان منـي فكنـت لمهجتـي الحيـرى شـروق
و سرنا والنفوس تئن شوقـا وتنثـر دمعهـا حزناً تريـق
تجمعنا الشجون فليت شعــري أيجمعنا على الفـرح الطريـق
حبيب الروح يايُعليك ربــي لأنت لغلظتـي المغضـي الشفيـق

شيخنا الجليل المبجل: نعم جزى الله خيراً فضيلة الشيخة فاطمة المغربي على تسطيرها لهذا الكتاب الذي يروي قصة حياة عظيم من عظماء القرآن، ويسطر العبر في أجمل الخبر عن ماجد من نبلاء أهل الذكر والتبيان نحسبكم –شيخنا أيدكم الله تعالى- كذلك والله حسيبكم ولا نزكي على الله أحداً..
شيخنا الجليل: رفعكم الله مكاناً علياً، وكان بكم حفياً، وجزاكم خير الجزاء وأطيبه، وآتاكم أفضل ما آتى عباده الصالحين.


وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محبكم وولدكم/ عبد السلام مقبل المجيدي
سطر في ليلة الاثنين
13 جمادى الآخرة 1432 هـ الموافق 17/5/2011 م

يا راكباً لجناح السير !!

ما خطه يراع أستاذنا ومربينا الغالي أبا عبدالعزيز [حمدي بن أحمد بن صالح المرادي] الذي غادر بلاده [اليمن] ولأول مرة في حياته منذ عشرين سنة متجهاً إلى أرض نجد، خاطاً بقلمه قصيدة تنبي عن مكنون فؤاده تجاه أرضه التي غادر أرضها وأحباءه الذين أحبهم وأحبوه، وها هو في هذه الأسطر يقول:

عندما تحرك بنا باص السفر متجهاً إلى المملكة، وكنت به تاركاً اليمن وأهلها الأعزاء عصر الاثنين 25 رجب 1432 هـ جادت قريحة الشعر بهذه الأبيات:

يا راكباً لجَناحِ السير ذا عجلٍ *** أربع بنفسك إني لست بالعجلِ

دعني أسطر ماضٍ كنتُ أعشثقهُ *** والآن أتركه والقلبَ ذو وجلِ

ما كانت النفسُ تهوى أن تفارق من *** سكنَ الفؤاد على حبِ من الأجلِ

ولا تروم لأجل البعد مشغلة *** عنهم وقدْ كان فيهم شاغلُ الشغلِ

هم بلسمٌ لجراحِ الصدرِ كم وجدت *** نفسي الشفاءُ لصدر كان ذا عللِ

فارقتهم بعيون ملؤها حُزن *** تحكي الدموع لنا شيئاً من الجملِ

هم فتية آمنوا بالله واعتصموا *** بالدين ليس لهم شيء من البدلِ

يا راكباً وقد التفَّت مجالسنا *** في جامع لأمير المؤمنين علي

كنا ندارسهم كنا نضاحكهم *** كنا نشاركهم بعضا من العللِ

كنا نلازمهم كنا نناصحهم *** كنا نفارقهم للملتقى العجلِ

كانت مجالسنا بالذكر عامرة *** كانت مجانبة للزور والزللِ

كانت أخوتهم حباً لخالقنا *** يا رب أكرمهم بالعفو والظللِ


نقلتها هنا بعد أخذ الإذن منه، اسأل الله تعالى أن يأجره على هذ المشاعر الصادقة، واسأل الله تعالى أن يعجل برجوعه إلى بلاده بلاد اليمن، بلاد الإيمان والفقه والحكمة، بلاد العزة والمدد.. آمين.