ألمانيا كانت تتربع على عرش الحضارة الغربية في بداية القرن العشرين ولم تقبل بالهزيمة بعد الحرب العالمية الأولى، وعادت بشكل أقوى لتجتاح العالم في الحرب العالمية الثانية. لم تستطع ألمانيا أن تتحمل الهزيمة الأولى، ولكن لم يكن لديها الرصيد الأخلاقي والحضاري اللازم لمواكبة الطموح في السيادة والمدنية وغزو العالم. هنا يكمن مفتاح بقاء الحضارات واستمرارها، وهو أن يتوفر للحضارة الرصيد الكافي من القدرات الداخلية التي تضمن استمرار الصمود والبقاء خلال الأزمات وبعد الهزائم وهو ما لم يتوفر لألمانيا من قبل، ولا تتمتع به الحضارة الغربية اليوم. لذلك لن تتمكن الحضارة الغربية من مقاومة هزائم الزمن لأن الرصيد الداخلي لهذه الحضارة يتناقص يوماً عن يوم.

إن الرصيد الداخلي للحضارة لا يرتبط بالضرورة بالعوامل المادية والإقتصادية، وإنما يرتبط بشكل أكبر بمنظومة القيم والأخلاق التي تحملها الحضارة من ناحية، وبين الصفات الشخصية والعرقية التي تميز أبناء هذه الحضارة، وهى عوامل قد لا تظهر بشكل واضح عند ازدهار الحضارات، ولكنها تشكل صمام الأمان اللازم لاستمرار الحضارات بعد الهزائم. وهذا ما يميز كلاً من الحضارة الصينية والإسلامية رغم التباين والاختلاف الشديد بين مقومات كل من الحضارتين.

عوامل نهوض واستمرار الحضارات:
1/ القيادة الفكرية التي تدفع الأمة إلى الأمام وتحافظ على هويتها.
2/ الحفاظ على هوية الأمة والاعتزاز بها دون تمييز عرقي.
3/ الانغلاق الثقافي والانعزال مبدأيا للحفاظ على الهوية الثقافية.

الأمة الإسلامية ليست في حاجه لاستيراد أفكار غربية أو ماركسية للنهوض الحضاري، وإنما هى في حاجه إلى إيجاد صيغ عملية واقعية لتجديد الفكر الإسلامي ليتناسب مع احتياجات الأمة وطبيعتها المتعددة القوميات في القرن الحالي وهذا دور القيادة الفكرية للأمة.

تستعيد الحضارات ذات الرصيد الحضاري مكانتها عندما يتقبل أحد أجيال الأمة مسئولية إعادة الأمة إلى سلم الحضارة، والتضحية في سبيل ذلك. والتضحية التي يقدمها هذا الجيل تكون في الغالب باهظة الثمن، ولذلك فليس من السهل أن يجبر جيل ما على القيام بهذه التضحية، وإنما تجتمع الظروف والعوامل الأخرى لتكون هذا الجيل وتقدمه ثمناً لاستعادة الحضارة لمكانتها.

الرصيد الحضاري الكامن لدى الأمم لا يتحول إلى قوة دفع إلا عندما تقبل الأمة أفراداً ومجتمعات تحدي مواجهه الواقع وتحدي التغلب على المعوقات والخصوم. فلا تستعيد الحضارات مكانتها بأن تفسح لها الأمم الأخرى مكاناً، ولكنها تستعيد مكانتها بفرض نفسها على الحضارات الأخرى، وتحدي الخصوم من أجل الفوز باحترام العالم وثقة الشعوب.