حرر صلاح الدين رحمه الله بيت المقدس من أيدي الصليبيين سنة 583 هـ ثم تصدى لثلاث حملات صليبية بعد ذلك وتوفيبتاريخ 27 صفر سنة 589 هـ، وبموته تفرقت البلاد الإسلامية في مصر والشام بعد أن كانت تحت قيادته ودب الخلاف بين أبناءه وخاصة بين العزيز عثمان والي مصر والأفضل علي والي الشام وتطور هذا الخلاف حتى تدخل محمد بن أبي بكر الأيوبي الملقب بالملك العادل الذي كان أخاً لصلاح الدين في درب الجهاد والفتوحات الذي استطاع إعادة توحيد جبهة الشام ومصر تحت قيادته، ولكنه لم يستفد من تجربته فوقع في نفس الخطأ الذي أودى بخلاف بين أبناء صلاح الدين فقسم بلاده على أبناء الثلاثة، فكانت مصر وفلسطين لابنه محمد الملقب بالكامل، وكانت الشام لابنه عيسى الملقب بالمعظم، وكانت منطقة الجزيرة بين العراق والشام لابنه موسى الملقب بالأشرف.

في أثناء ذلك انطلقت الحملة الصليبية السادسة من أوروبا على المسلمين التي كان يقدوها فريدرك واضنم إليه ملك قبرص آندرو دي لوزيان فاحتلوا مدينتي صور وصيدا رغم أن قائد الحملة الصليبية لم يكن يريد القتال مع المسلمين وإنما أراد التفواض مع المسلمين، فأرسل إلى أمير مصر وفلسطين محمد الكامل بأن يتنازل له عن بيت المقدس مقابل أن تتوقف الحملات الصليبية ضد المسلمين، وأن يرجع عن غزو مصر والشام، ويعقد حلفاً مع المسلمين لمدة عشر سنوات ونصف بوقف الحرب بينهما، ويتعهد أيضاً بحفظ المسجد الأقصى وإعطاء المسلمين كامل الحرية في ممارسة شعائر دينهم، وما كان من الأمير محمد الكامل بحبه للدعة والسكون إلا أن يتنازل الخبيث عن بيت المقدس في ربيع الآخر سنة 625 هـ وتسلمها الصليبيون غنيمة باردة وعم المسلمين الحزن والبكاء بفعل هذا المجرم الخائن.
وكان محمد الكامل رجلاً يحب العمران والبناء وله همة في ذلك، فعمر بلاد المسلمين وبناءها وشيدها، ولكن خيانته وتسليمه لبيت المقدس لم تشفع له ولأمثاله الخونة، فسقط ملكه بعد ذلك، فلا ظهراً قطع ولا أرضاً أبقى.
الأمر العجيب الذي يبكي العيون حقًا ويدمي القلوب فعلاً هو رد فعل الصليبية العالمية وكبيرها ‘هونوريوس’ على هذه المعاهدة بين الصليبيين والمسلمين؛ حيث أرسل إلى فريدريك يسبه ويشتمه ويقول له: ‘إن الفرسان الصليبيين لا يذهبون إلى بلاد المسلمين من أجل التفاوض، وإنما من أجل القتال وسفك الدماء’. ثم أصدر قرارًا كنسيًا بحرمان فريدريك من الرحمة وطرده من الكنيسة للأبد، ومن يومها أطلق على فريدريك لقب ‘الزنديق الأكبر’، واشتهر بهذا الاسم في كتب التاريخ الأوروبية، بل أرسل البابا له مجموعة خاصة من أجل اغتياله ولكن فريدريك نجا من هذه المحاولة.