نقلاً عن حساب: عبد القدوس بن حسن على تويتر

بداية القصّة :
على خلفية أزمة الرسوم المسيئة لمقام الرسول صلى الله عليه وسلم التي انطلقت شرارتها من الدانمارك، شهدت المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية واحداً من أغير المواقف وأكثرها سخونة في مواكبة الحدث، ممثلاً في الخطبة الشهيرة التي ألقاها الداعية الإسلامي الشيخ خالد الراشد وكانت بعنوان ( يا أمة محمد ) .

كانت خطبة ملتهبة، ملؤها الغيرة لمقام الرسول، والألم من الاعتداء الآثم على جنابه، قد انقطع صوت الشيخ فيها أكثر من مرة، نتيجة تفاعله وألمه وكثرة بكائه.

وفي نهاية خطبته أعلن الراشد أنه بصدد زيارة الرياض لأجل مقابلة المفتي السعودي ومطالبته بالتواصل مع المسؤولين لتبليغهم مطلباً شعبياً ممثلاً بطرد سفير الدنمارك التي احتضنت هذه الإساءة وكفلتها ولم تعتذر عنها، مما يحتم إجراءً يحفظ للمسلمين مشاعرهم بعد جرحهم في واحد من أعز مقدساتهم.

ولم يكن الراشد وحيداً في رحلته تلك، فقد صاحبه إلى الرياض العديد من الأشخاص الذين حضروا الخطبة، واستقبله في الرياض أيضاً العديد من الأشخاص الذين بلغهم نبأ مقدمه، وتلاقت الجموع في الجامع الكبير بالرياض، وتحدثوا مع المفتي بشأن مطلبهم آنف الذكر، ثم غادروا بعد أن شعروا أنهم أدّوا واجبهم الديني وحمّلوا المسؤولية للمفتي ولمن ستصل إليه من المسؤولين.

الواعظ المؤثر هدفاً للداخلية:
إن معرفة الراشد بالأجواء القمعية التي تسيطر على سياسة الداخلية السعودية قد جعلته يفكر حتماً قبل هذه الخطوة في أنه قد يترتب عليها استدعاء أو مساءلة، ولربما وصل الأمر إلى حرمانه من منبر الجمعة وإيقافه عن الخطابة، ولكن من سمع خطبة الراشد سيدرك أن الشيخ انتابته نوبة كثيفة من الغيرة والشعور بالألم جعلته يتصرف بعيداً عن دبلوماسية الواعظ المعتادة في مثل هذه الأحداث.
إنه لم يدر بخلد الراشد أن هذا التصرف سيجعله غرضاً لقناص الداخلية، ذلك القناص الذي سيسطر فصولاً قاتمة السواد من الانتهاكات والتعذيب بحق الداعية الإسلامي بعد خطبته بأيام، مستهدفاً كسر إرادة الشخص الذي صار له تأثير لدرجة أنه نجح في جمع عدد من الأشخاص للمطالبة بطرد السفير الدانماركي، وهو موقف يتعارض مع المطلوب من الناس بنظر الداخلية حيث لا يجوز لهم أن يقترحوا على المسؤولين ما يتوجب عليهم عمله وإنما عليهم الاكتفاء بالصمت والانصياع التام.

ومع ذلك كان بإمكان الداخلية أن تتجاوز عن هذه الحادثة التي جاءت في ظروف مؤلمة ومحتقنة، استثارت غيرة الناس لنبيهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم، وخصوصاً أنها صدرت من شيخ لم تعرف له اهتمامات سياسية إطلاقاً وإنما كانت عنايته مقتصرة على الوعظ والدعوة، لكن شيئاً من تلك المرونة لم يحدث.

أحداث الاعتقال:

بعد خطبته بأيام، وتحديداً في الثالث عشر من شهر صفر عام 1427 هـ احتفل الشيخ خالد الراشد بزواجه بمدينة الخبر شرق السعودية، وأثناء الاحتفال لاحظ أحد أقاربه تحركات تستدعي الريبة قريباً من منطقة الاحتفال، و عند خروجه من بوابة الفندق شاهد سيارة وفيها شخص يحمل سلاحاً (رشاش) فاقترب منه وسأله: من يكون؟ وماذا يعمل في هذا المكان؟ فأجابه المسلح: بأنه الحارس الشخصي للشيخ، وأن الشيخ يعلم بمكانه هنا.

في صبيحة اليوم التالي للزواج حكى هذا القريب للشيخ قصة هذا الحارس المزعوم، فتبسم الشيخ وقال لقريبه: يبدو أنهم المباحث.

ثم سافر الشيخ إلى الرياض وكان طيلة سفره يشعر بالمتابعة الأمنية له، ومن الرياض غادر إلى مكة لأداء العمرة مع زوجته الجديدة، وكانت المتابعة مستمرة.

في اليوم التالي من وصوله لمكة وتحديداً في السابع عشر من صفر عام 1427 هـ – أي بعد زواجه بثلاثة أيام – طُرق باب الفندق على الشيخ، ونظر الشيخ من خلال الباب فوجد رجالاً مدنيين ومعهم بعض العسكريين، ولما فتح الباب قالوا له: تفضل معنا لمدة ثلاث ساعات فقط، وبعدها سترجع، واصطحبوه معهم في حين أبقوا زوجته الجديدة قيد الإقامة بالفندق ومعها بعض المجندات وقد منعوها من الاتصال، أما الشيخ فقد طلب منهم في المكان الذي ذهبوا به إليه أن يعيد زوجته لأهلها فقط، ولكنهم رفضوا طلبه، وقالوا له: اتصل بمن تثق به في مكة ليصطحبها.

ظلت زوجته ثلاثة أيام تحت الحراسة في الفندق، حتى وصل نبأ اعتقال الشيخ إلى أخيها عبر الشبكة العنكبوتية، فسافر مسرعاً إلى جدة وسأل عن الشيخ وعن أخته في أقسام الشرطة والمباحث ولم يجد جواب، حتى تعاطف معه أحدهم وأرشده إلى الذهاب لمكة.

وفي مكة قابل شقيق الزوجة ضابطاً من المباحث برتبة رائد، ولما سأله عن الشيخ وعن شقيقته أجابه الضابط: من أخبرك أنه هنا؟ وما الذي أتى بك؟ ليواجه جواباً صارماً بأن القضية تتعلق بالمحارم وإن أي مماطلة أو عدم تجاوب سيقابلها بكل صرامة، عند ذلك تم تسليم الزوجة إلى شقيقها بعد أن وقع ورقة تخلي فيه المباحث مسؤوليتها عن الزوجة.

مشوار الانتهاكات والتعذيب:

صادف اعتقال الشيخ (طليعة عام 1427) فترة تكثف فيها التغول الأمني في أعلى مستوياته من الحقبة السبتمبرية، وشهدت السجون السعودية بعض وقائع التعذيب في هذا العام كما تحدث بها معتقلون أفرج عنهم.

وكان من ذلك أن تعرض الشيخ نفسه للتعذيب، وبدأت مقدماته بنقل الشيخ إلى سجن الحاير بالرياض في زنزانة انفرادية صغيرة مع قطع اتصاله بأهله وزيارتهم له لمدة ستة أشهر، ثم أكمل سنة كاملة في هذا المعتقل سمح له في نصفها الأخير بالاتصال والزيارة.

وفي اليوم التاسع عشر من شهر صفر عام 1428 تم نقل الشيخ إلى سجن المباحث بالدمام، وهناك كانت أحداث التحقيق العنيف وما صاحبه من تعذيب نفسي وجسدي لمدة ثمانية شهور، ومما تعرض له الشيخ خلال هذه المدة:

· الضرب على وجهه لعدة مرات.

· تعليق اليدين والرجلين.

· الحرمان من النوم لساعات طويلة (التسهير).

· البقاء واقفاً مكمم العينين ومقيداً لساعات طويلة.

· الحرمان من الصلاة في وقتها بإحضاره في جلسات تحقيق لساعات طويلة .

ومن المواقف التي حكاها أقارب الشيخ: أن المحقق أوقفه على جدار مقيداً يديه من الخلف وطالبه بالتحدث عن أمور لم يفعلها، وبعد ما أبقاه طويلاً أصر الشيخ على ألا شيء عنده، فغادر المحقق لفترة والشيخ على حاله بقيده، ثم عاد إليه وقال له ( هاه؟ نزل عليك الوحي؟) فقال الشيخ: ليس عندي إلا ما ذكرته، فأخذ يضرب رأس الشيخ في الجدار حتى أغمي عليه. يقول الشيخ ( ولم أفق إلا وأنا في الزنزانة) !

ثم قضى الشيخ ثلاث سنوات في غرفة انفرادية صغيرة، عانى فيها من الانتهاكات والإهمال، حتى إنه كان يمرض ويطلب العيادة فلا يلبى له طلبه.

المحاكمة الهزلية في الوقت بدل الضائع:

بعد أربعة أعوام من اعتقاله (عام في الحاير وثلاثة أعوام في سجن الدمام) تقرر نقل الشيخ إلى الرياض لمحاكمته، ولم يكن يعلم بإجراء المحاكمة، كما لم يعلم بذلك أهله أيضاً، فضلاً عن أنه لم يتح للشيخ توكيل محامٍ للترافع عنه، وفي الرياض مكث الشيخ لمدة شهرين في سجن الحاير لم يتح له خلالها أي مكالمة ولا زيارة بل ولا حتى تغيير ملابسه الداخلية طيلة هذه المدة.

ونقل الشيخ إلى المحكمة الأمنية المتخصصة (الخاضعة لإشراف المباحث) وتليت التهم التي استندت على أمرين:

1- نشاطه الخيري في البلاد الإسلامية المنكوبة (كان للشيخ نشاط في النيجر أيام المجاعة وفي شرق آسيا بعد تسونامي وفي غيرها من البلاد وكان يستقبل التبرعات لتلك المناطق) حيث اتهم استناداً على هذا النشاط بغسيل الأموال.

2- خطبته المؤثرة (يا أمة محمد) حيث اتهم بإثارة الفتنة.

وتولى النظر في قضيته القاضي/ صالح العجيري، وهو قاضٍ معروف بظلمه وقسوة أحكامه – هو نفسه الذي حكم على د. سعود الهاشمي بثلاثين سنة – .

بيّن الشيخ للقاضي أنه يستند في أنشطته الخيرية على فتاوى واستشارات لكبار العلماء ( كالشيخ ابن جبرين رحمه الله والشيخ البراك حفظه الله) ولكن القاضي تنقص من الشيخين ولم يعتبرهما، ثم حكم على الشيخ بخمس سنوات، فغضب الشيخ واعترض على القاضي وناقشه في حكمه وكان مما قاله له: ( احكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم) ولم يتقبل القاضي هذا النقاش، بل غضب وزاد على الحكم عشر سنوات أخرى، ليكون المجموع (15) عاماً .

كانت تلاوة التهم على الشيخ، وسماع جوابه عنها، وحكم القاضي، ومضاعفة الحكم بعد اعتراض الشيخ: كلها في جلسة واحدة، لم يمكن فيها من توكيل محامي، ولم يحضر معه أحد من أهله بل ولم يبلغوا بهذه الإجراءات .

وفي السجن طلب الشيخ الاعتراض على الحكم فقيل له تعترض من الدمام، ثم أعيد إلى سجن الدمام وتمت المماطلة به حتى انتهت فترة الاعتراض، مما أفقد الشيخ أي أملٍ في عدالة الإجراءات فلم يقبل بعد ذلك عروض المحامين الذين تصدوا لإعادة النظر في قضيته ومطالبة المسؤولين بإعادة الإجراءات فامتنع الشيخ عن توكيل أي محامي أو مخاطبة أي مسؤول، وقال: (سيخرجني الله تعالى) .

مرحلة الإغراء :

بعد مرور سنة كاملة على المحاكمة الهزلية تم إعادة الشيخ إلى الرياض لمدة شهر، حيث تم اقتياده مغمم العينين ومكبلاً بالقيود إلى شقة فاخرة ومؤثثة بشكل جيد ومزودة بأنواع من الطعام والشراب والحلويات، وعُرض عليه الظهور في التلفاز للتراجع عما بدر منه وإظهار الندم والتوبة، فكان جواب الشيخ: (أتراجع عن ماذا؟ والله لو أبقيتموني سنين عديدة في السجن ما تراجعت) .

كان رفض الشيخ لهذا العرض -الذي يراد منه كسر إرادته والحصول على إقراره بأنه كان مخطئاً فيما عمله من دعوة ونشاط يحتسبه عند الله- رفضاً صارماً، أدى بهم إلى قطع الأمل وإعادته إلى سجنه بالدمام .

وماذا بعد ؟!

هذه إلماحة موجزة عن قضية الشيخ خالد الراشد، الداعية الإسلامي السعودي، الذي كتب الله له نجاحاً وقبولاً في الدعوة والتأثير على مستوى العالم الإسلامي، بفعل وعظه الصادق نحسبه والله حسيبه، ومن الأمور التي تصادف كثيراً من الدعاة السعوديين حينما يمارسون الدعوة في الخارج: سؤال الشعوب الإسلامية، والمهتمين بالدعوة منها خصوصاً عن حال الشيخ خالد، وهل لا زال في سجنه؟ ومتى سيخرج؟ وهم يكنون له احتراماً كبيراً ويرون له فضلاً بالدعوة على كثيرٍ من المسلمين.

وها هو الشيخ اليوم يمضي عامه الثامن في معتقله، وقد مرّ بتجربة سيحفظها التاريخ عاراً على من صنعها وكان مسؤولاً عنها، شاهدة على تعامل وزارة الداخلية مع رجل بهذه المكانة عند المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

سنتجاوز المنطق الإسلامي الذي لا يرى فيما فعله الشيخ خالد الراشد أي خطأ أو إساءة، والذي ينظر إلى ما تعرض له بأنها محاولة للقمع وتدجين الناس وكسر إرادة العاملين المؤثرين، سنتجاوز هذا المنطق لنتقمص الشخصية الأمنية التي ترى فيما فعله خطأ، ونتساءل : ألم يكن بالإمكان التجاوز عن هذا الخطأ حينما يصدر من رجل صاحب حسنات وأفضال كثيرة وله مكانته بالعالم الإسلامي؟ والذي لم يعهد عنه إلا الاشتغال بالوعظ، ودعوة المقصرين والمذنبين من الشباب؟

يبدو هذا المنطق أكثر اعتدالاً ويبدو أيضاً أنه تفصلنا عنه مسافات فلكية في ظلها تمارس صور بشعة من انتهاك الحقوق وإهانة الإنسان والدعاة.

دخل الشيخ معتقله في إجازة اضطرارية عن الدعوة إلى الله تعالى بعد أن حقق فيها رقماً صعباً..

دخل إلى معتقله في أوج عطائه الدعوي تاركاً خلفه العديد من المنابر الوعظية والميداين الإغاثية تفتقد بذله وعطاءه ..

دخل إلى معتقله تاركاً وراءه آلاف القلوب متعطشة إلى شرابها وزادها الإيماني الذي كان يفيض به عليها ..

وترك الشيخ خلفه خمسة من الأبناء وبنتاً واحدة، كانوا أطفالاً يوم دخوله ( أكبرهم في العاشرة وأصغرهم في سنته الثانية) واليوم ينتظرون خروجه وهم في ريعان الشباب ومشارفه (أكبرهم في الثامنة عشر وأصغرهم في التاسعة) ..

إن واجبنا عظيم تجاه هذا الداعية المحبوب بعد أن خذلناه في الفترة الماضية، وبعد أن مضى عليه ثمان سنوات في سجنه، لا يعذرنا أمام الله إلا القيام في نصرته حتى يخرج استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) .