بقلم: أشرف عبدالمنعم

قبل ثورات الربيع العربي كانت الحركات الإسلامية هي المعارضة الحقيقية للحكام العلمانيين، حيث رأت – بحق- أنهم طواغيت من البشر نازعوا رب العالمين حقه في الانفراد بالتشريع لعباده، مع أنه – سبحانه – المنفرد بخلق هؤلاء العباد }ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين{  [1].

كما أنها لم تجد في أكثرهم إلا امتدادا للاحتلال الخارجي بلون داخلي، فمنذ أسقطت الخلافة الإسلامية انتقلت مركزية العالم الإسلامي من داخله لتكون دائما في عواصم الاحتلال التقليدية أو العواصم الجديدة الوارثة لها، فلا هوية إسلامية ولا شريعة، ولا استقلال سياسي ولا اقتصادي، إلى آخر منظومة التبعية المهينة.

واستكمل طواغيت العرب أسباب الهلاك، وغرهم إملاء الله لهم، وغرهم ركونهم للذين ظلموا، فمضت سنة الله فيهم وأتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، وباعهم أولياؤهم الذين رضوا بهم من دون الله أحوج ما كانوا إليهم، في نموذج متكرر في التاريخ المعاصر، لولا أنهم لا يعتبرون.

حين قامت الثورات تفاوتت اجتهادات الإسلاميين حول المشاركة فيها، لكن من جهة: قد شارك فيها قطاع واسع كان قد نابذ أوضاع الاستبداد العداء، ورأى أن الانحياز إلى الأمة في مطالبها المشروعة واجب، كما أن السعي إلى مساحة أكبر من العدل والحرية مثل قبلة حياة إلى حركات إسلامية كانت في معركة وجود مع الطواغيت. ومن جهة أخرى: فرض سقوط الطواغيت واقعا جديدا له حيثياته على الساحة كلها، بما فيها مجموع الحركات الإسلامية والتي تجاوز أكثرها قضية الثورة لأنها نجحت – ولو بنسب متفاوتة – ليتعامل مع قضية ما بعد الثورة.

إنه بعد انتهاء بعض هذه الثورات ظهر حكام وحكومات في أشكال جديدة، فمع شراكة الإسلاميين في حكومات تحت حكام غير إسلاميين، أو مع شراكتهم في حكومات تحت حكام إسلاميين، ظل المشترك هو عدم رد قوانين تلك الدول إلى سيادة الشريعة.

وثارت التساؤلات: ما الفرق من ناحية الاعتبار الشرعي بين حكام الثورات وبين من قبلهم؟؟.. وهل كانت التضحيات التي بذلت مقبولة باعتبار ثمرتها؟؟.. وهل الاستمرار في المشاركة مع غير الإسلاميين يمكن أن يؤدي إلى حالة شرعية؟؟.. أم أن وصول رئيس ذي انتماء إسلامي في ظل غياب سيادة الشريعة لا يؤدي إلا لتغيير في شكل “الطاغوت”؟؟..

إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تمكن إلا بعد تقرير جملة من القواعد الشرعية، والتي من خلالها يزول الالتباس في الرؤية، وينطلق العمل الإسلامي راشدا في مسيرة التغيير المنشود.

أولاً: إن دائرة ما يحكم عليه بعدم الشرعية لا تعني التسوية بين كل ما بداخلها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى مترتبة عليها، فإنها لا تعني أنه ليست هناك حركة شرعية يمكن أن تتم داخلها.

فالله لم يسو بين من كفر فقط، وبين من كفر وصد عن سبيله }الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون{[2]  وإن كان كلاهما داخل دائرة الكفر. واشتراك كل من مكة والحبشة – قبل الهجرة إلى المدينة – في أن كلا منهما دار كفر، يحكمها كفار لا يقرون بسيادة شريعة الإسلام، كل ذلك لم يمنع النبي – صلى الله عليه وسلم – من إيجاد حركة شرعية للمؤمنين من دار كفر فيها ظلم واستبداد، إلى دار كفر فيها عدل وحرية.

وعليه، فانتقال بعض بلاد الربيع العربي من استبداد طاغوت كبير، لا يسمح بوجود إسلامي مؤثر، إلى قدر من الحرية والعدل في ظل طاغوت صغير، يسمح بوجود إسلامي مؤثر في مساحة قابلة للتنامي، لهو انتقال ينبغي أن تحرص عليه الحركة الإسلامية – ما لم تقدر على أكثر منه – ولتدفع له ثمنا بمقابل، فقد ظلت عشرات السنين تدفع ثمنا باهظا  لأقل من هذا المقابل.

لكن الحركة الإسلامية في هذه الأحوال ليست ملزمة، بل لا يجوز لها أن تسبغ الشرعية على ما ليس بشرعي من الأوضاع. فإنه لا تلازم بين شرعية الحركة والتغيير، وبين الشرعية النهائية للوضع الأخير. وتغييرنا المشروع حركة في اتجاه مبادئنا الشرعية، ولا يجوز أن يكون بديلا عنها ولا تحريفا لها. وهذا هو الاتزان الشرعي بين المثال والواقع، أو بين المطلوب والمتاح.  

ثانياً: إن التشابه في الصورة الخارجية لا يعني دائما اتحاد الحقائق، وبالتالي لا يعني دائما اتحاد الأحكام. فقد تتشابه الصور، لكن الاختلاف القوي في القرائن المحتفة يؤدي إلى تضاد كامل في الحقائق، وبالتالي في الأحكام.

فبينما يحرم على الإنسان أن يباشر النجاسات على وجه الانتفاع أو عدم المبالاة، يشرع له أن يباشرها على وجه الإزالة والتخلص كما في الاستنجاء. وكما يحرم على من غصب أرضا أن يمشي فيها على وجه الاستعمال أو الانتفاع، يشرع له أن يمشي فيها تائبا من مظلمته ساعيا في الخروج مما لا يملك. فمن أهمل القرائن المحتفة الدالة على الحقيقة، وحكم بظاهر الصور المتشابهة، فقد ظلم وجمع بين ما فرق بينه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وعليه، فصورة الوجود كحاكم في ظل غياب لسيادة الشريعة قد تكون تعبيرا عن “الطاغوتية” عندما تكون رفضا لهذه السيادة، وعداوة لها ولأهلها، وقرائن بل وتصريحات الماضي القريب لم تنسها الأجيال بعد. لكنها قد تكون تعبيرا عن “العبودية” عندما تكون مدافعة لواقع العلمانية الباطل، وفي ظل إعلان للولاء للشريعة، والقرائن الحالية والمقالية  هنا شاهد عدل لا ترده صورة موهمة للتشابه.

لهذا لم يكن غريبا أن نجد قبول وجود حقيقة “العبودية” مع صورة تشتبه مع “الطاغوتية” في كلام أئمة الإسلام الذين أبرزوا حقيقة التوحيد ووجوب إفراد رب العالمين بالتشريع، كشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في كلامه عن وزارة نبي الله يوسف – عليه السلام – وعن ملك النجاشي – رحمه الله – بعد إسلامه للحبشة. وكذلك عند العلامتين السعدي وأحمد شاكر – رحمهما الله – وغيرهما. فكان ذلك من رسوخ علمهم، خلافا لمن خطأهم مع بعد رتبته عن رتبتهم.

وأقل الأحوال التي تلزم المخالف في هذه المسألة، أن يطوي بساط “الطاغوتية والتكفير” لوجود الاحتمال الشرعي والشبهة الواقعية، وهما كافيان في درأ تلكم الرتبة، ولينتقل بعدها إلى تصويب وتخطيء بين راجح ومرجوح، فهذا أوسع وأسلم.

ثالثاً: إن دائرة عدم الانتماء للإسلام ليست دائما هي دائرة العداوة للإسلام، بل قد تكون الأولى أوسع من الثانية. وبالتالي فالعداوة العقدية لا يلزم أن تترجم دائما إلى عداوة سياسية.

وإن كان الأصل الغالب الذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن عدم الانتماء منتج للعداوة }ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا [3]{ }وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة{ [4]. لكن الله – تعالى – برحمته قضى بوجود استثناء من هذا الأصل العام، ليفرج به عن عباده المؤمنين، فقد دخل بنو هاشم -قبل إسلامهم- الشعب مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخلت خزاعة -قبل إسلامها- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية. فلم تترجم العداوة العقدية هنا إلى عداوة سياسية، بل استدعى اختلاف المواقف بين غير المنتمين للإسلام اختلافا في التعامل معهم ولا بد.

وعليه، بل ومن باب أولى ينبغي أن يفرق في التعامل السياسي مع غير المنتمين للمشروع الإسلامي، وفيهم كثرة لم تبلغ مبلغ الردة والمعاداة لشريعة الإسلام، وذلك بحسب تفاوت علاقاتهم بحملة الشريعة. وهذا التفريق من الحركة الإسلامية بين الموقفين العقدي والسياسي يحافظ على ثبات المبادئ مع مرونة الحركة، خاصة ونحن نعالج أمرا قد حاز استقرارا عبر السنين ودعما عبر القارات.

بالمقابل فإن توحيد الموقفين العقدي والسياسي يؤدي إلى تجميع الخصوم وتكثيرهم، في وقت نحن أحوج شيء فيه إلى تفريقهم وتقليلهم. ولا ينبغي أن تغرنا هنا كثرة المنتمين إلى مشروعنا مقارنة بالمنتمين لمشاريع غير إسلامية، فالعبرة بالفاعلية وقوة التأثير والقدرة على حسم الصراع، في ظل عالم متداخل التأثير والمنافع. فإما أن نحسن استثماره بتداخلاته، وإما أن تجتمع كعراقيل في طريقنا.

رابعاً: إن الحد الفاصل بين حالي الاستضعاف والتمكين بمقدار ما يباعد بين الطرفين إلا أنه لا ينفي تداخلات في مساحات قابلة للضيق والاتساع، بحسب معادلة الواقع المتغيرة. فقد لا يخلو مستضعف عن أشياء يمكنه أن يقيمها، كما قد لا يخلو ممكن عن أشياء يضعف عن إقامتها. والواجبات الشرعية هنا مرتبطة بتفاصيل الجزئيات أكثر مما هي مرتبطة بالحكم الكلي.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان مستضعفا في مكة قبل الهجرة، ومع ذلك فقد انقسمت الفترة المكية إلى مرحلتين دعويتين كبيرتين: أولاهما: مرحلة الإسرار بالدعوة. ثانيهما: مرحلة الإعلان لها. فارتبط الإعلان بإمكان جزئي مع أنه كان في ظل استضعاف عام. وكذلك بعد الهجرة إلى المدينة، تدرجت أحكام الجهاد خارجيا، وتدرجت أحكام معاملة المنافقين داخليا – من الوعظ والإعراض إلى الجهاد والإغلاظ – إذ وجد في أول الهجرة النبوية ضعف عن تلكم الأحكام النهائية مع أنه كان في ظل تمكين عام.

وعليه، فمن يطلب من تمكين لما يستقر بعد ما يطلب من التمكين المستقر بدعوى معنى التمكين وقيمته، من يفعل ذلك يجافي الممكن، ويطلب قفزة قد تدك فيها الأعناق ولا تدرك الآمال. كذلك من لا يستثمر الممكن لا يشكر النعمة ولا يقوم بحقها. وبينهما مسافة للرأي والاجتهاد، وذمة لا تبرأ إلا بالتقوى والورع.

وأخيرا، نحن في نعمة وامتحان، ربما لم نتخيله قديما بهذا القرب، لكنه واقعنا الذي نعيشه، وواجبنا الذي لا يسعنا التأخر عنه. ومن ظل أسير ماض لم تتجاوزه مشاعره وعقله، فسوف يتجاوزه الواقع بأحداثه المتسارعة. فالبدار البدار.. إني لكم ناصح أمين.
 :: موقع مجلة البيان الالكتروني

 


[1] [الأعراف – 54].

[2] [النحل – 88].

[3] [ البقرة – 217 ].

[4] [ التوبة – 36 ].