بسم الله الرحمن الرحيم

تسألني -أي حبيب الفؤاد، ونور الجسد المضنى في البلاد، وخليل القلب الغريب عبر الصحارى والوهاد – عما اعتمل في صدري من الخواطر.. عما ملكني من الأحاسيس والمشاعر.. وأنا أشاهد ركب المفلحين قد أناخوا أمام الرب الرحيم الغافر.. عند البيت المقدس المبارك العامر.. تسألني – وأنت الذي ما برحتَ صاحب الجفاء، بعد حياة لطالما امتلأت بالحب والسعادة والصدق والبراءة والصفاء.

تسألني.. وأنت تعلم أن مما ابتليت به – بل من أشد البلاء – تركي لك أو تركك لي ساعة أزف الرحيل وأبعد الفراق عني النور والضياء.. وحلت مكانه الليالي الظلماء.. كذلك يبلوني الدهر بالأرزاء..

أيا حبيباه: مازلتَ كما علمتك – إن شاء الله – ممن اجتباه ربه وهداه.. فها أنذا أحاول الاقتداء بك عسى يوماً أن أكون ممن أخلصه الله بخالصةٍ ذكرى الدار فحباه وأصطفاه..

أيا حبيياه:
سأخبرك عن المشاعر..في أرض الأنوار والأمجاد والمآثر:

هنا – أمام البيت المبارك والهدى للعالمين – ترى الجسد المضنى بأوضار الدنيا، والروح المثقلة بأوزارها قد جَلاهما مناجاة علام الغيوب، وترتيل ما يداوي القلوب، كيف لا يكون؟ والمتقون من قبل كانوا في جمال السحر، ومناجاة البواكر والأخر، أمام البيت العتيق حيث يقبلون على الله ويتركون كل صديقٍٍ وحبيبٍ ورفيق.. يقولون:

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.. إلهنا إن لم نكن كما أمرتنا، فأنت ذو عز وغنى، ونحن المساكين إن لم تكن لنا فإلى من نلجأ إليه ربنا..

إلهي ارحم عباداً غرهم طول إمهالك، وأطمعهم كرم نوالك، وعلموا ألا غنى لهم عن سؤالك.. ارحم عباداً طالما نظروا لعظيم إفضالك فذلوا لعزك وجلالك.. إلهي كيف لا ترحمهم؟ كيف لا تجيب سؤالهم؟ ولولا فضلك وكرمك لم يصلوا إلى ذلك..

أيا ضياء القلب الحزين، ونور الحائرين:

سأخبرك عن مشاعري.. سأخبرك هنا.. ترى الدعاء مع الرجاء يفيض من القانتين الأوابين كالماء المنهمر.. تراهم ما فتئوا يرددون القول المستمر، وشوق المحبة والرجاء في قلوبهم قد استقر.. مع الحبيب المصطفى سيد البشر والنذر- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -: (سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك علي، هذي يدي وما جنيت على نفسي)، فما أحلى أن يبقى ذلك مدوناً في العقول والقلوب والزُبُر، عسى أن ينعم المحب الطامع الخائف بجنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. ويكفي رؤيتهم وهم على هذه الحالة، فهل من مدكر؟ فكيف لو شاركهم المرء فيما يصنعون متشبهاً بهم؟ فهل يضيع ذلك عند الله؟ كيف وقد قال: (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر)، وكذلك ربنا يغفر لمن استغفر وادكر.

وها هي – أيا حبيب القلب الملهوف، ومن تعجز عن وصف مودته الحروف – بعض إشراقات رؤية البيت الحرام، حيث السكينة والبركة والرحمة والسلام.. قمتُ أبحث عما تخزنه الذاكرة مما يليق بالابتهال.. عسى أن ينزاح من قلبي المعنى شؤم آفات المعاصى ويزول من الفكر التحيرُ والضلال..أتيت والقلب – كعادته – يحمل الأوزار الراسخة الثقال.. تعدت بظلمتها الفؤاد.. حتى طغت على الوجوه والأجساد الشداد.. فمالها فيَّ من واق وما لها من وال.. فاستحضرت عدداً من الابتهالات التي بعضها يسمو.. وبعضها يهفو.. وبعضها يقترب من معالجة الأمر العضال.. ولكنها جميعاً لم تلمس يد الشمس ولا سَمِعتْ تسابيحَ الرعود.. إذ ما لأشواق القلب حدود.. لا لضعفها بل لضعفي حين أرددها.. وكيف السبيل وقد قيدتني القيود، وأكلت نفسي أمام نور ربي خطيئات العبث واللهو والصدود، وعوقبت عن لذة الأنس وحالت بيني وبين حلاوة المناجاة السدود..

أيا صاحب الإطلالة الرائعة، والإخبات الإيماني والنفس الأوابة الخاشعة:

هل تدري لماذا أكتب إليك؟: لأني أعرفك.. حقاً يا حبيبي أعرفك.. عندما جئتَ إلى هنا مرة تناديني مودِّعاً: (إني ذاهبٍ إلى ربي سيهديني).. تبتسم ابتسامة رائعة وأنت تقول: – قراءة يعقوب أي الياء في “سيهديني” – وتراني ودموعي تتبعك فتنزل مني حارة فتكويني..وما علمتُ أنه فراق طويل لا زال يحرقني ويشويني.

تسألني لماذا أكتب وقد فرقتنا الأيام، ومضت الأوقات كالأحلام، أو غمض المنام؟ تسألني: أنا أعرفك.. وأعرف كيف قُضِيتْ لك الحاجات، وتحققت الأمنيات، وكيف تألق نجاحك ترتقي في المعالي والمكرمات.. وكأني بك هنا في محاريب القانتين قد ارتفعت منك الزفرات.. وتزين منظرك برفعك ليديك تدعو الملك الجليل رفيع الدرجات.. فتقول:

رب.. رب: إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وعظم معصيتي، وكثرة ذنوبي وعظم خطيئتي، وظهور فقري وفاقتي، وكبر مصيبتي، وشدة حاجتي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ..

يا رب أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى عَدُوٍّ بعيد يَتَجَهَّمُنِي؟ إلى من تكلني يا رب؟ إِلَى صديق قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إلى من تكلني يا رب؟ إلى نفسي الضعيفة الظلومة الخاطئة العاصية المقصرة تغمني وتحزنني؟ إلى من تكلني؟ يا رب إلى الضعفاء وأنت القوي العظيم؟ إلى من تكلني؟ إلى الفقراء وأنت الغني الكريم؟ إلى من تكلني؟ إلى الأذلاء وأنت العزيز الحكيم؟ إلى من تكلني؟ إلى الجهلاء وأنت الخبير العليم؟ إلى من تكلني؟ يارب؟!

ربَّاهُ: أقبلت الوفودُ، وزادُها تَقْوى سَقاها بالدُّموعِ، وجيبُ لَكَ رحمةٌ عظمى تظلِّلُهم بها ولهمْ نفوسٌ خشَّعٌ وقلوبُ، وقَفوا ببابِكَ يسألونَكَ نعمةً ورضى وأنتَ تبَرهُم وتُجيبُ، ووَقَفْتُ معقودَ اللِّسان، فما معي إلا أمـانٍ نُوَّمٌ وذُنُوبُ، ولكأني أراك آنذاك يا ربيع الفؤاد.. تتقلب تقلب الموجوع الهائم في الصحارى والوهاد.. تنادي ربك بأنينٍ وحنين..وابتهال وحزنٍ دفين.. قائلاً:

رباه ! إني لما أنزلت إلي من خير فقير.. تكررها عشراتٍ تكرير المسكين الخائف الضرير.. تكررها عشراتٍ فعل الذليل الكسير، وكأني أسمعك تتبعها فعل الملهوف الحائر الأسير فتقول:

أهٍ ! رباه.. رباه.. يا ربي: هاأنذا بين يديك.. أرنو إليك..
((ربِّ أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، ربِّ اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، لك رهاباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً، إليك أواهاً منيباً، ربِّ تقبل توبتي . واغسل حوبتي . وأجب دعوتي . واهد قلبي . وسدد لساني . وثبت حجتي . واسلل سخيمة قلبي)

يا رب يا رب:

ربَّاهُ جئتُكَ تائباً قد مسَّني ممَّا جنيتُ ضلالةٌ ولُغُوبُ
عَظُمَتْ مواسمُك التي أعددتَها للتائبين بها الحياةُ تطيب
ورجعتُ يا ربي إليكَ وجَعْبَتي ملأى حكايا والجوانح حوبُ
فامنُنْ عليَّ عفوِكَ إنَّني في ساح فضلِكَ طائعٌ ومنيب

هنا – أيها الطالب للمكرمات المرتقى للدرجات – هنا تردد أعظم ابتهاالات الصالحين، وأجمل ترانيم المسبحين، فتنادي ذا العرش ذا القوة المتين: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء : 87] وتستغيث فعل الراكعين الساجدين:

فَأَخِرُّ أَسْجُدُ ضارِعاً وأَظَلُّ أَنْشُجُ بالبُكاءْ ! وأقول: يا ربي استطلت وما أنا إلا هَبَاءْ ! وأقولُ: يا رَبِّي أَثِمْتُ وضَلَّ صُبْحِيَ والمَساءْ ! وأَقُولُ: رَبِّي أَبقْتُ وما اهْتَدَيْتُ إلى النَّجاءْ ! وأَقُولُ: يا رَبِّي مَرِضْتُ وما أُرِيدُ سِوى الشِّفاءْ ! واليَوْمَ أصْحُو من سُباتِيَ أَسْتَفيقُ مِن البَلاءْ !
واليْوْمَ أَهْتِفُ بالدُّعاءِ فهل سَيُسْعِدُني الدُّعاءْ؟!

أَنِّي لأَشْعُرُ بَعْدما بَيَّنْتَ لي الدَّرْبَ السَّواءْ!
وسَكَبْتَ في قَلْبي السَّكِينَةَ والتَّطَلُّعَ والرَّجاء!
أَنِّي نَجَوْتُ فَلاَ نُكُوصَ ولا رُجُوعَ إلى الوَراءْ!
جَلَّتْ أَيادِيكَ السَّخِيَّةُ واسْتَفاضَتْ بالعَطاءْ!
فَأَنا السَّرِيُّ بما حَبَوْتَ وكنْتُ أَجْدَرَ بِالرِّثاءْ!
قد كُنْتُ في الدَّرْكِ السَّحِيقِ فَصِرْتُ في القِمم الوِضاءْ!

وتسألني بعد هذا الجفاء لمَ البكاء? لم الحزن والرثاء? لمَ أظل أحاول رؤيتك كلما أطل القمر وغشى الأرضَ المساء> تسألني وأنت الذي لطالما أنشدت لي تحفظني.. وتستثير مكامن الإيمان مني وتستفزني لذكر الله كثيراً، وتسبيحه بكرة وأصيلاً، والتلذذ باسمه شعوراً وحباً وترتيلاً.
أنت الذي تكرر قصيد الابتهال الخالد على مسامعي.. فتهز بفعلك قلبي وتقضُّ مضاجعي..

يا رب:

لك الأمـر لا يـدري عبـادك ما بيا ** لك الأمـر لا للناصحيـن ولا ليـا
وهذي معاذيـري وتـلك صحـائف ** عليها خطاياها وفيهـا اعترافيـا
وفيها من الأمس الأليم وحاضـري ** وفيهـا مـن الآتي وفيها ابتهاليـا
وفيهـا تهاويـلٌ ومهجـة حائر ** ينــام بهـا يأساً ويصحو أمانيـا
وفي النفس ما أخشـى ظـلام ضبابه ** على نور إيمانـي ومسرى حياتيـا
ونازعنـي شـوقٌ إليــك وهزّنـي ** من الغيـب ما يهفو إليه رجـائيـا
أناديك في ضعف وأخجـل أن تـرى ** جـراحَ أمـانيــه ولـون دمائيا
لك الأمـر أشـواقي ببابـك والمـنى ** ولـي أمـلٌ ألا يـطول انتظاريـا
لـك الأمـر ما لي أرتجيـك فيلتوي ** لسـاني وأمضي بـالتوسُّل شاكيا
ومنَّيت روحـي من سنـاك بلمحـة ** أُضـمِّد آلامـي بـها وجـراحـيا
ضياؤك أغـرى باليقين جـوارحـي ** وفجّـر أعماقـي وأفـضى بذاتـيا
لك الأمر أسباب ضعافٌ وخاطـري ** ببابك يخـشى رجعتي وانـحرافيا
دعوتـك مـلء النفـس ألا تـردَّني ** مغيظاً وألا تـستعيد سـؤاليـا
لك الأمـر ألهـاني حـديث أعاده ** عليـك ضـميري واستحاه لسانيـا
تَنسّمْتُ أمـواج الرحيل وأشرفت ** علـيَّ أمـانيه فَبَـارِكْ شـراعيـا

وبعد: أيها الراحل مهلاً.. هل أنادي جدار الصمت؟ كلا ! آن الأوان لأردد بإخباتٍ وإذعان: “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق” قد آن وحان..آن الأوان لأعتق نفسي من التعلق بك إلى التعلق بالحق الصادق بالرحيم الرحمن.. ربما ستعجبك رسالتي القادمة إن نجحتُ في هذا الامتحان.. فلا يبقى لي إلا أن أسأل ربي في إخباتٍ وإذعان: آتني خير ما تؤتي عبادك الصالحين يا عظيم يا منان..

من عزيزية أم القرى.. أكتب لك وأُراودُ دموع العين أن تكف السرى.. وتصنع من دعائها وصلاتها ما صنعه محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – خير الورى.. أرجو يوماً أن أراك وقد افتخرتَ بي.. وعلمت أنني أهل للود..

اللهم أسألك إيماناً لا يرتد، ولا نعيماً لا ينفد، ومرافقة نبينا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم- في أعلى جنان الخلد..

ولك مني – على الرغم من كل شيء – قلباً دائماً محباً وامقاً، ولساناً دائماً داعياً صادقاً..

محبك/ عبد السلام مقبل المجيدي