بسم الله الرحمن الرحيم

كتبه: فضيلة الشيخ/ عبدالسلام بن مقبل المجيدي

إلى حبيبٍ لا تبلى مودته:
ودَّع القلب الوامق.. المربي الأجلَّ الفائق..علمَ الإقراء، ودرةَ القراء..شيخ المتعبدين، ورائد الزهاد الناسكين، وإمام المهرة المتقنين..وقمر السارين في ليل الأمة الحزين فضيلة شيخنا الجليل..المرتل للتنزيل/ إسماعيل عبد العال أحمد الشرقاوي في يوم الأربعاء27 من شهر شعبان 1432 هـ الموافق 28/7/2011 م بعد أن قضى نحواً من خمسٍ وستين سنة تتفيأ الأمة بإقرائه ظلال (حزر الأماني ووجه التهاني)، وجمال (الدرة) اليتيمة بين الحسان الغواني، ونسائم (الطيبة) حيث يقول القارئ له: رفعه الله مكاناً علياً لقد حلَّ بإقرائه عقدةً من لساني..وقد كنتُ كتبت له كتاب اعتذار..أبغي بذلك رضا الغفار.. حين عاتبني على التأخر في زيارته قبل وفاته بيسير..وأرسلتُ الكتاب إليه ليقرأه فضيلة الشيخ محمد الوائلي –أحد أجلة طلابه- فعلَ الحيي الكسير..قبل أن أذهب إليه..وأزين وجهي بلثم يديه.. ألثم يداً طالما أشارتْ إليَّ تعليماً وتربية..وأنظر عيناً طالما ملأت حياتي علماً وحلماً وحناناً وتزكية،،، فها أنا ذا أبثُّ ما كتبت في رسالة الاعتذار..بعد أن أصاب القلب بفقد الشيخ الضيق والإعسار.. ويظهر في الكتاب سناً من بريق العابرين..وخاتمة مسك المقرئين…
أبثّ لك هذه الرسالة أخي الحبيب… تذكراً للعَلَم المخبت المنيب.. ووفاءً لمن انتميت إليه حياتي..وأذاقني جمال الآياتِ البيناتِ.. عسى أن تتنزل الرحمة بذكره..وتتضوع أيامنا مبتهجةً بعبير نشره- رفع الله درجته في عليين، وأعلى مناره في العالمين يوم الدين، وجمعني به في ميدان (اقرأ وارق)نتنسم عَبَق فرحةِ المفلحين الفائزين من أهل القرآن السابقين، وأخلف الأمة بخيرٍ وهو أرحم الراحمين:

أبـا دُرةٍ لهـفي ذكراك لهفةً يباشر مكواها الفؤاد فينضجُ
لمن تستبين الأرض بعدك زهرةً فتـصبـح في أثوابـها تتبهـرجُ
عفاءٌ على أرضٍ تقيم بغيرها فليـس بـهـا للصالحيـن معـرّجُ
وليس البكا أن تسفح العين إنما أحر البكائين البكاء المولَّجُ

دوحة الخير –زادها الله أمناً وإيماناً-
20 شوال1432 هـ

************************

بسم الله الرحمن الرحيم
شيخي المبجل، ووالدي المنيب/ إسماعيل عبد العال أحمد
كان الله به حفياً، ورفعه مكاناً علياً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أَذِن الله لوجهينا أن يتقابلا في حينٍ من الدهر…فهل كان ذلك إذنٌ منه –جل وعز- لفؤادينا أن يلتقيا على حبٍ ومودةٍ فيه…إي والله…ولئن كان الشرع يأمر بوصال المتحابين في الله، ومجالستهم فقد جعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك من الرزق الذي يُغْبَطُ عليه لندرته، وأمر بالتشبث به حال تحققه فقد روى ابن أبي الدنيا عنه قوله: (إذا رزقتم مودة امرئٍ مسلمٍ فتشبثوا بها)

فكنتمُ رزق مجـدي لا عدمتكـمُ وكنتم مراديَ في صمتي وفي كلمي
وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي منهم إليهم عليـهم فيهمُ بهمِ

ولكن وخز النوى عنكم ما برح يتبعني حقباً…وبلغت من ذلك نصباً…وقد لقيت في صحبتكم والتتلمذ بين أيديكم من الخيرات أمراً عجباً…وكم دوايت القلب العليل…بسماع الصوت الجليل…يوم أن كنتم ترتلون القرآن مخبتين..فاستمع منكم إلى بضع آيات بينات متعللاً بأنه قد يغني عن الكثير ….لَثْمُ القليل…ولكن هيهات:

وإني لأستغشي وما بي نعسة ٌ لعل خيالاً منكَ يلقى خياليا

سيدي ووالدي المخبت/ لا مبالغة إن أقل:

فما طلع النجم الذي يهتدى به من الليل إلا كنت للنجم راعيا

وبعد: سيدي كبير المقرئين، وعابد دولة الخاشعين:
أما أولاً: فهذا حبٌ صادق لقلبٍ القارئ المتعبد إسماعيل أعنيه إماماً صبوراً للقرآن مرتلاً… كما أن هذا اعترافٌ متجدد، ولهجٌ بالشكر لا برح يدعو لسان صاحبه لكم: اللهم افتح له فتحاً مبيناً، واغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم نعمتك عليه، واهده صراطاً مستقيماً، وانصره نصراً عزيزاً، وآته من فضلك ورحمتك أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين…وأنا ذاكم المتيم الداعي، وأنتم من لا برح شكركم لساني…وأنى لي أن أقضي عُشْرَ واجب الشكر لكم باللسان…فكيف بغيره؟ فما يزال اللسان يردد أصداء الذكرى التي تجول في القلب:

أدر على السمع ذكراهـم فإنَّ لهـم في القلب منزلةً مرعية الذمم
إذا تـذكـرتـه لاحـت لي مخــايلـه للعيـن حتى كأني منه في حلـم

وأما ثانياً: لقد وجدتك في حياتي تتصدر المحراب القانت للمقرئين المخبتين فأُشربت منك حب التعلق بكل ما اتصل بكتاب الله المتين..فصرتَ –في عيني- عبداً لله محمداً محموداً إماماً للمتقين… جعلكَ الله سبباً في أن يكون القرآن شعوراً فياضاً يملأ جسدي، وروحاً أميرة للنور أمارة بالخير تسري في جوانحي، ونوراً يشع في عواطفي…وأنبتَ في نفسي أن استظهار امرئٍٍ لآيات الكتاب هو المنة العظمى؛ إذ قد آتاه الله السبع المثاني والقرآن العظيم…والعاقبة للتقوى.. فلا يمدن عينيه إلى ما سواه من متاعٍ زنيمٍ..عسى أن ينال الدرجات العلى…وما يكون ذا إلا وليد مجاهدةٍ ، تستصحب صبر أولي العزم …فإذا صاحبها عارف في عرفات…نبيلٌ في رياض الأرض والسموات… وما رأيت منك على طول المدى إلا أن أسقامك تزداد فيكون القرآن سميرك غير المفارق…شفاءً لما في صدرك، وهدىً، وموعظةً، وزيداً في إيمانك..فأحببتك حب الملهوف الوامق…وُهِبتَ بذلك رحمةً من ربك ترجوها؛ إن فضله كان عليك كبيراً…فلك من ربك الأمان يوم الفزع الأكبر، والخلد في الفردوس الأعلى يوم الفوز الأعظم .
وأما ثالثاً: فهذا شوقٌ يضطرم، وحشاً يذوب، وعَبرةٌ تتابع شوقاً للقائكم، وحنيناً لربعكم، وإقراراً بأني نهلت من علمكم… اغترفت من سمتكم…وكساني فضلكم بفضل ذي الجلال والإكرام….وقد حاول فؤادي المُعنَّى…حاول التشبه بكم على البعد…فآلمني والله أني لم أكتسب جناناً مباركاً مخبتاً كجنانكم ، وكان حالي كما قال شيخنا علامة العصر، ونابغة الدهر فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي في وصفه للعالم الرباني: أبي الحسن الندوي: “وحاولنا أن نقلده فلم نستطع، وكل ميسر لما خلق له”…ولكن ما عساي أقول إلا الجمع بين الحنين…وواقع الأنين:

أبـداً تـحـن إليكـم الأرواح ووصالكم ريحانها والـراح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

وقد شرفت والله أن أقدم لكتاب يترجم لحياتكم العامرة بإقراء القرآن، وتنبيه الغافلين من أبناء الزمان، ودلالة الراغبين بعبق الجنان، وصار من أمري كما قيل:

سأذكر من أريج المسك عطراً وأذكر شيخنا في كل نادي
وأنثر من كل قافية وروداً لأكرم من تذكرهم فـؤادي

شيخي الجليل: أيدكم الله تعالى:
لقد كنتم من مفاخر مصر فلما جئتم اليمن ازدانت بكم وارتفعت، وأزهرت غرسكم بالقرآن فيها فأينعت الثمرة واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وكيف يتنسى لي أن أشكركم وعلى ماذا..وقد أكرمني الله تعالى فكنت أول طلابكم أخذاً للعشر الكبرى في اليمن …وعلامَ أشكركم؟ أعلى تعليم الأحرف البينات، أم على تعلمي منكم الخلال المشرقات، أم على رؤيتي لكم تعلمون الأجيال عملياً الصبر على العبادة في الجلوات والخلوات..كيف يمكن شكركم وأنتم ترسمون لي وما زلتم طريق المؤمنين، والسبيل الذي يظهر فيه نور المقرئين …فإني لأرجو أن تكون شيخنا فيمن يقول الله فيهم (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [المائدة : 119]، ومهما تقضت الأيام فسيبقى قولي:

سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ** أيادي لـم تـمنـن وان هي جلـت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ** ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ** فكانـت قـذى عينيـه حتـى تجلـت

سيدي الحبيب المبجل: لئن كنت أقصر في زيارتكم فإني والله ما فارقني طيفكم طرفة عين، ولا نأى عني سناكم ، ولكن لعلمي بشدة حرصكم عليَّ، ورأفتكم بي، وحبكم لي فقد كنتُ بَيَّتُ في نفسي ألا أكتب لكم رسالةً حياء وإجلالاً…حياء منكم وإجلالاً لكم…لكن أبى علي ذلك: فؤادي الذي فيه حبٌّ لكم مستقر..ودعاء لكم دائم مستمر..وكأني المعني بقول القائل:

أيا شيخ لو أن الخيال يزورني على كل شهر مـرة لكفاني
لئن غبت عن عيني يا شيـخ إنه لشخصك عندي ظاهر لعياني

شيخنا الجليل: لقد تعلمت منكم القرآن الكريم آياً متيناً، وجمالاً بديعاً رائقاً ونوراً في حياتي مبيناً، فهل أتاكم نبأي وأنا بين أيدكم أو أنا بعيد عنكم أتذكركم شيخي فأرى فيكم أنك حقاً مُذَكِّر التقوى، ومن يحث الخلق لإيثار الآخرة على الأولى…ولعلكم –شيخنا-أن تروا وراء كلماتي كلماتٍ…وخلف حروفها آهات…فأرجو أن تسامحوني على ذلك فلقد كانت حفاوتكم بي –بنعمة الله مما لا أستطيع بذل الشكر له، وقد قال الإمام الذهبي نقلاً عن حكم بعض الصالحين “ليس في الدنيا حمل أثقل من البر فمن برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك”…

شيخي الحبيب -أعزكم الله -: قد سرى علمكم كما سرى حبكم في قلبي فأَسَرَّني كما أسَرَني…فيا شيخنا: إما مناً بعد وإما فداء..سبيتني بحسن خلقك، وعظيم رفقك، وشدة حرصك علي، وتجسد المعاني الإسلامية فيك، ورائق مودتك لي..وكم رددت فيك قول القائل:

وكنتَ حديثنا في كل ليـلٍ إذا نام الخلي وغاب نجم
ربيعٌ تعشب الوديان منه وحبٌ: إن بكى جوعٌ ويتمُ

وما حالي وحالكم إلا كما قال محمود شاكر في الرافعي: كان الرافعي حناناً نأوي إليه، فقد كنتم وما زلتم والله حناناً آوي إليه ، وأختم رسالتي لكم وتقديمي لكتاب ترجمة سيرتكم بقول لا أجد أحق منكم بأن يردد فيه – شيخنا الجليل أيدكم الله تعالى:

بحبك قد ملأت اليـوم قلبـي فذقـت من السعـادة ما أذوق
رأيتك صادق الإحساس شهمـا بكـل كريمــة حقـاً حقـيــق
عهدت اللطف في الكلمات عذبا وفي النظرات ألقى ما يروق
سكنت مكامن الوجـدان منـي فكنـت لمهجتـي الحيـرى شـروق
و سرنا والنفوس تئن شوقـا وتنثـر دمعهـا حزناً تريـق
تجمعنا الشجون فليت شعــري أيجمعنا على الفـرح الطريـق
حبيب الروح يايُعليك ربــي لأنت لغلظتـي المغضـي الشفيـق

شيخنا الجليل المبجل: نعم جزى الله خيراً فضيلة الشيخة فاطمة المغربي على تسطيرها لهذا الكتاب الذي يروي قصة حياة عظيم من عظماء القرآن، ويسطر العبر في أجمل الخبر عن ماجد من نبلاء أهل الذكر والتبيان نحسبكم –شيخنا أيدكم الله تعالى- كذلك والله حسيبكم ولا نزكي على الله أحداً..
شيخنا الجليل: رفعكم الله مكاناً علياً، وكان بكم حفياً، وجزاكم خير الجزاء وأطيبه، وآتاكم أفضل ما آتى عباده الصالحين.


وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محبكم وولدكم/ عبد السلام مقبل المجيدي
سطر في ليلة الاثنين
13 جمادى الآخرة 1432 هـ الموافق 17/5/2011 م