[تم نشر هذا المقال قبل شهرين على مجموعة ملتقى شباب الفرقان على الفيس بوك، والآن أنشرها على مدونتي]

فضيلة الشيخ: محمد بن عبدالله خديف
إمام وخطيب مسجد علي بن أبي طالب
اليمن – صنعاء

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

كلكم يعلم الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية من تحكيم للقوانين الوضعية، وتحاكم إلى غير شرع الله، وإقبال على المناهج والحلول المستوردة من حزبية وعلمانية وديمقراطية والرأي والرأي الآخر.

فالمجتمع المسلم يعاني من تغيير في الهوية والأخلاق، وظلم في الحقوق والدماء والأعراض، وتخلف في المعيشة والحضارة والصناعة، وانتكاسة في القيم والتعامل “ربا – رشوة – أكل أموال الناس – تسلط – اغتصاب – خروج النساء – تبرج – سفور ….” حتى صار الخطب جلل، والأمر جسيم، ويخشى الوصول إلى ما لا يحمد عقباه بسبب شيوع المنكرات والفواحش، والكل – عباد الله – ينشد الخرج من هذا الواقع ويطلب التغيير، وليس هذا عيباً، بل العيب الاستمرار.

فالتغيير مطلب شعبي محلي ودولي وعالمي وكوني وشرعي، فما بعث الله الرسل إلا لتغيير واقع الناس وإخراجهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، قال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ولكن ما هو دورك في الأحداث؟ ماذا ستقدم لمجتمعك؟ ما هو التغيير الذي تطلبه؟ ما إسهاماتك في رفع الغمة؟

شخَص واقعك الذي تعيش فيه وسل نفسك ما الذي يحتاج إلى تغيير؟ هل تريد أن تغير شخصية أم رموزاً معينة أم أسرة أم مؤسسة؟ أم تريد تغيير وضع ونظام كامل وتغيير أمة بدءً بالنفس ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة؟ وسل نفسك: هل تريد أن تغير تغيير حقيقي أم شكلي؟ سلبي أم إيجابي؟ فردي أم جماعي؟ فالواقع الذي نعيشه هو نتاج لتغيير سابق فهل هو التغيير المطلوب؟

وقد أخطأ خطأً قاتلاً من ظن وأنشد التغيير من خلال الحلول المستوردة التي يطالب أهل التغيير بتحقيقها.

إن التغيير في هذه الأمة إلا يكون بما يلي :-

1. تحقيق الإيمان والابتعاد عما ينقضه وينقصه {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقاً علينا ننجي المؤمنين} {إنا للنصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} ولا بد أن يكون الإيمان مصحوباً بالعمل الصالح ليتحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا} وحتى يعيش الناس حياة طيبة مستقرة {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلتحيينه حياة طيبة} ولاسيما في الملمات {واستعينوا بالصبر والصلاة} وفي الحديث: {العبادة في الهرج كهجرة إلي} {و كان صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة}.

2. لا بد من التوبة والرجوع إلى الله، فما نزل بلاء إلا بذنب ولن يرفع إلا بتوبة، قال تعالى: {وقوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين} {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى} {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} وبين صلى الله عليه وسلم أن المخرج من هذه الذلة يكون بالمراجعة الشاملة لدين الله تعالى فقال: {إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل، الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم}

3. لا بد من تحكيم الشريعة التي يسود في ظلها العدل والأمن والرخاء والاستقرار {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيراً من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} وأخبر سبحانه وتعالى أن نسيان وترك بعض الشريعة يوجب العداوة والبغضاء، فقال: {فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث: {وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم} {وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان نائماً: {حكمت فعدلت فأمنت فنمت} بل لابد من البراءة من المناهج المستوردة، ومنابذة المناهج الغربية المتسببة في تنحية الشريعة وتفريق الكلمة وشق الصف، والبعد عن شعاراتها والدعاية لها .

4. لا بد من رفع الظلم عن المظلومين وإخراج السجناء والأبرياء الصالحين وسائر المظلومين، بل ومحاكمة الظالمين المفسدين حتى تهدأ النفوس والثورات، وينتصف للمظلوم من الظالم، بل لا بد من البعد عن الظالمين كما نهى الله عن ذلك بقوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} وإقامة العدل الذي به قامت السماوات والأرض كما أخبرت اليهود عبدالله بن رواحة رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ خراج أهل خيبر، فأرادوا أن يقدموا له رشوة، فقال: لهم يا معشر يهود: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، وإنكم لأبغض خلق الله إلي، وما يمنعنني ذلك أن أقوم فيكم بالعدل فقالوا “بهذا قامت السماوات والأرض”.

5. الرجوع إلى العلماء الربانين في كل قضايا الأمة والعمل بوصاياهم، قال تعالى: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ً}.

6. دعم متطلبات الحياة الكريمة “طعام – شراب – لباس – دواء – تعليم – طرق – كهرباء…” لتهدأ نفوس الثائرين الذين لا يجدون ما يسدون به رمق الحياة.

7. الحذر من التعدي على الدماء والأموال والأعراض الذي يثير الفتن والعداوات والاقتتال بين الناس، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً * ومن يفعل ذلك عدوانا ًوظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسراً}.

8. إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكافة صوره وأشكاله باليد واللسان، كلاً بحسب قدرته عملاً بوصية رسول الله {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه … الحديث} {ما بعث الله نبياً في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بأمره ويقتدون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} وقال عليه الصلاة والسلام: {إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ثم يدعونه فلا يستجيب لهم} وأخبر سبحانه أنه لن يهلك الأمة بأي فتنة وفيها المصلحون، قال سبحانه: {وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} وقال عز وجل: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون}.

فاحرصوا عباد الله على ما ينفعكم وعودوا إلى ربكم تفلحوا، قال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} وتمسكوا بكتاب ربكم فهو المخرج من الفتن كلها، كما قال ربكم: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} وقال ابن عباس: {تكفل الله لمن تعلم كتاب الله وعمل به أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة} وقال عليه الصلاة والسلام: {تركت فيكم ما إن تمسكتم به بل تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي} وقال صلى الله عليه وسلم: {ستكون فتن، قالوا: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله ….} الحديث.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.