أحببت أن تكون هناك خاطرة عن شهر رمضان علها تجد قلباً يقرأها فيكتب الله له أن يكون شهر رمضان نقطة تغيير في حياته، فوجدت أن الكتابات والمواضيع كثيرة في هذا الجانب، لكن ما يلفت انتباهي في رمضان أنه نقطة تحول، وفرصة للتغيير الذاتي والنفسي والصحي والعبادي، ومن كان حريصاً حق الحرص فإن رمضان يعتبر أفضل فرصة للتغيير إلى الأفضل.

1- الغير مصلي: عندما يهب الناس إلى الصلوات في رمضان، ويستشعر الغير مصلي أن صيامه مردود عليه وغير مقبول منه من الله عزوجل – فالله لا يقبل عمل تارك الصلاة – فإنه يسعى لأن يحافظ على الصلوات طيلة شهر رمضان، فما أن ينتهي رمضان حتى تصبح الصلاة من الأمور التي لا يمكن أن يفرط فيها، وإن كان الذي الذي يصلي ثم يرجع إلى الله فيحافظ على الصلاة في الأيام العادية ويجاهد نفسه على ذلك فإن ذلك يكون صعباً، ورجوع المرء إلى الصلاة ومحافظته عليها في رمضان والصبر على أداءها يكون أقل صعوبة من في غير رمضان، فليغتنم تارك الصلاة شهر الصيام ليكون له نقطة تحول يستطيع من خلالها المحافظة على الصلوات.
وكم رأيت من أشخاص لا يصلون طوال حياتهم، وكان شهر رمضان من إحدى السنوات سبباً في محافظته على الصلوات بعد رمضان، بل وبعضهم كان شهر رمضان عنده نقطة التحول التام في حياته كلها في مسألة الصلاة.

2- المدخن: أفضل فرصة للمدخن هو اغتنام شهر رمضان، فهو – مثلاً – إن كان يشرب 10 سجائر يومياً في الأيام العادية، فإنها ستقل إلى 5 أو 6 سجائر في ليال رمضان، فهو يضل صائماً طوال 12 ساعة، فيستطيع تقليل عدد السجائر يومياً إلى نهاية شهر رمضان، أو على الأقل ما إن ينتهي رمضان حتى تكون عدد السجائر التي يدخنها يومياً 4 أو ثلاث إذا تدرج حتى نهاية رمضان، وهذا يعتمد على عزيمة الشخص ذاته، وعلى المدخن اغتنام هذه الفرصة حتى تكون نقطة تحول في هذه السنة في تركه للتدخين.
وأذكر في هذا الباب أني سألت أحد المدرسين الذين درسوني مادة الأحياء عن إن كان يدخن أم لا؟ فأجاب بأنه كان يدخن من قبل لكنه ترك التدخين، فسألته: كيف؟ فقال: كنت ذاهب إلى البيت أحد الأيام في رمضان قبيل المغرب، فأذن للمغرب قبل أن أصل إلى البيت، ولم يكن لدي شيء أفطر به، قال: فأخرجت سيجارة وفطرت بها، فما إن مضت نصف ساعة أو أقل حتى تقيأت الدم، ثم أقسمت بعدها ألا أعود إلى التدخين أبداً، فوفقني الله لتركه طوال حياتي.

3- المتخلف عن صلاة الفجر:
توجد ظاهرة عن المصلين أنفسهم وهي ظاهرة التخلف عن صلاة الفجر، إما لسهر وتعب، وإما لعدم اهتمام، وإما عدم وجود من يوقظ الشخص، وهذه الظاهرة تجدها واضحة عندما تقوم بعمل مقارنة بين عدد المصلين في صلاة الفجر وعددهم في بقية الصلوات، ورمضان يعتبر أفضل نقطة تغيير في الحفاظ على صلاة الفجر، فالصائم يحرص على تناول السحور وبعدها يتجه إلى المسجد ليؤدي صلاة الفجر في المسجد مع الناس جماعة، والملاحظ للمسجد في صلاة الفجر في هذا الشهر يجده مكتضا بالمصلين وذلك أنهم يكونون مستيقظين بسبب السحور، فيضل الفرد محافظاً على الفجر طيلة شهر رمضان، فتصبح صلاة الفجر من أسهل ما يمكن للفرد عمله بعد رمضان.
ومن العجب في هذا الباب أني أعرف إمام مسجد، كان يصلي بالناس التروايح والقيام في العشر الأواخر ثم يذهب إلى البيت فينام قبل الفجر، ولا يصلي الفجر إلا عند الظهر، وهو من أعجب العجب، وقد تكون صلاته في الليل عليه وزراً لأنه يؤدي النافلة ويتخلف عن الفريضة.

4- مستمع الغناء: كثير من مستمعي الغناء لا يستمع إلى الغناء في نهار رمضان، وتجده يصر على ألا يستمع لذلك، فهو حريص على عدم المعصية في نهار رمضان، وهذا أولاً قناعة بأن الغناء محرم أساساً، فالمعصية في نهار رمضان أو في ليلة، أو في نهار غيره من الشهور أو لياليها هي نفسها من ناحية كونها معصية، وبهذه الصورة يكون رمضان فرصة للتغيير لكل مستمع للغناء، فالمستمع يمسك عن الاستماع للغناء طوال 12 ساعة أو أكثر، ويستطيع أن يمتنع عن ذلك طوال ليل رمضان، وبهذا ينتهي رمضان وهو لم يستمع للغناء، فعليه بعد رمضان مواصلة ذلك، وستكون عليه أسهل من ذي قبل.
وما أسهل إنكار منكر الغناء في رمضان، فإنك لا تحتاج لأن تؤصل مسألة حرمة الغناء لمن يستمع الغناء في رمضان، ولن تحتاج حينها إلا أن تقول للمستمع “نحن في شهر رمضان” وسرعان ما تجده يترك السماع.

5- قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال: {من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه} [رواه البخاري]. عندما يستشعر الصائم هذا الحديث، فإنه سيسعى لأن يكون لصيامه قيمة بأن يترك كل سيء القول باللسان من غيبة ونميمة وشتم وسب ولغو وغيرها، وبهذا يتجنب الكثير من المعاصي، ولو عود نفسه على ذلك في رمضان واستمر على ذلك بعد رمضان فإنه سيكون على خير عظيم، وسيكون شهر رمضان نقطة تحول رائعة في حياته.
ولهذا تجد بعض الصائمين في شهر رمضان لا يتعدى بلسانه على أحد، ولا حتى يرد على من شتمه أو سبه، بحجة أنه في شهر الصيام، مع أن القول السيء باللسان محرم في رمضان وفي غيره، لكن يمكن للمرء أن يجعل رمضان نقطة تغيير للأفضل، فيجعل من نفسه قوالاً للخير تارك للشر طوال حياته بعد رمضان إذا عود نفسه على ذلك في رمضان.

لست هنا لأحصي كل ما يمكن أن يغير في الناس من معاصي في هذا الشهر الفضيل، لكن مربط الفرس هنا أنه يمكن لأي شخص أن يجعل شهر رمضان نقطة تحول في حياته، فيحاول من خلال هذا الشهر الفضيل أن يستغل الأجواء المساعدة ليترك معصية أو عادة سيئة من قول أو فعل أو غيره، لاسيما وأن رمضان شهر الصبر، فيصبر المرء على ترك الصعام والشراب والجماع، وترك الغناء والأفلام وقول الزور، والصبر على أداء الصلوات لاسيما صلاة الفجر منها، فهذا الشهر يساعد المرء على الصبر ويمكنه من ترك الكثير من المعاصي، والمحافظة على الكثير من الطاعات، فليستعد كل فرد منا ويعمل له جدولاً – إن أمكنه – في الأمور التي يريد المحافظة عليها في رمضان وما بعدها ويسعى لأن يحافظ عليها في شهر رمضان، وكذا بالأمور التي يريد أن يتركها كخلق سيء أو عادة قبيحة أو معصية، ويسعى من خلال هذا الشهر أن يسير على هذا الجدول طيلة رمضان – بمساعدة البيئة الإيمانية المحيطة – ويحاول في أن يستمر عليها فيما بعد رمضان.

وفق الله الجميع لكل ما يحب ويرضى، وجعل رمضان نقطة تغيير فينا إلى الأفضل والأحسن في الأقوال والأفعال، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


الخميس
27 شعبان 1432 هـ
28-7-2001 م

تم النشر على الرابط التالي:
http://www.kl28.com/mag/article.php?ArtID=1444